…هل يمكن أن تفعل قنبلة واحدة مثل هذا؟ ومن أين للأمريكيين قنبلة كهذه؟ ولماذا يلقون بمثل هذه القنبلة على مدينة كهذه، فيقتلون أهلها بمن فيهم أطفال ونساء وأناس عاديون؟ وأي قلب متحجر هذا الذي يأمر بجريمة على هذا القدر من الهول والجسامة؟ تساؤلات ما فتئ الناس يرددونها في سائر أرجاء البلاد، والرعب والأسى يأخذان منهم كل مأخذ، ليس في بلادنا وحدها، بل في شتى أقطار الأرض. فلا حديث للأذاعات والصحف غير هذه القنبلة، وآثارها الناجمة عنها، حاضراً ومستقبلاً. والتبرير الذي عمد إليه أصحاب الفعلة الشنعاء، هو أنهم أرادوا إنهاء الحرب مرة واحدة. لكن آخرين قالوا أنهم قاموا بذلك انتقاماً من اليابانيين لغاراتهم من قبل على ميناء (بيرل هاربر). وكان ذلك بتوصية لرئيس أمريكا (ترومان) من قائد الجيوش الأمريكية في الشرق الأقصى، وهو الجنرال (ماك آرثر). انتهت الحرب في ذلك الركن القصي من هذا العالم المتعب، باستسلام اليابان دونما قيد أو شرط .بعد أن ألقواقنبلة مماثلة على مدينة أخرى اسمها نجازاكي. شلَّت الحياة في يبنا الأيام، فالناس جميعاً يهيمن عليهم الذهول والقنوط لهول ماسمعوا.
…حملت لوحة التعليمات المعلقة عند بوابة المعسكر إعلاناً للعمال العرب بعلمهم بأمر الاستغناء عن عديد منهم في الحال، بينما يحتفظ ببعضهم حتى إشعار آخر. وما هي إلا أيام قليلة حتى كنا نقبع في قريتنا دون عمل. لم يدعوا لنا وقتاً نتدبر فيه أمرنا. نتلفت عند مغاردتنا بوابة المعسكر، للمرة الأخيرة في أسى وحسرة، على الأيام التي أمضيناها من أعمارنا هناك، نقدم لهم خدماتنا في وقت حاجتهم إلينا.. وخدمة لمجهودهم الحربي .
…في يبنا عند العصر، نتمشى على الطريق بين المقاهي والدكاكين. أجهزة الراديو ترسل خليطها المعتاد من الأصوات، إذ يبث كل منها إذاعة مختلفة. الصبايا يحملن الجرار غاديات رائحات، ويسرق النظر إليهن خلسة رواد المقاهي من الشبان، يناديني الحلاق أحمد الجمل، يعرض عليَّ العمل في دكانه حيث أنال الحسنيين معاً - كما قال - الأجر ومواصلة تعلمُّ الحلاقة ..! أما الأجر فمبلغ يتفق عليه، وكمية من الحبوب، التي هي أجور عمله، التي يتقاضاها سنوياً عن حلاقة الرؤس والذقون ..!