تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…اجتمع شملنا (رفاق المدرسة)، بعد أن تعطل معظمنا عن عمله. والآخرون عادوا من مدارس يافا والقدس، لقضاء العطلة. نتحدث عن المستقبل الذي ينتظرنا، فلا نرى في الأفق بادرة تضيء لنا طريقاً، أو تمهد لنا سبيلاً. على أية حال، وما دامت الحرب قد انتهت فلسوف تتغير أشياء كثيرة .

…نتناول عشاءنا في المساء، في صمت مطبق. أمي مستغرقة كل الوقت في تفكيرها حول أخي الغائب. أمينة كعادتها تسارقني النظرات، محاولة ألا يلحظ أحد ذلك، فيما يمعن والدها في صمته الأزلي. وهو قلما ينطق إلا إذا رأى ضرورة قصوى لذلك تستدعيها الحاجة. أمينة هي التي تقوم أيضاً بإعداد الطعام، في هذه الأيام .

…حلم رأته أمي الليلة الفائتة. رجل يقرع الباب.. تفتحه للطارق، فيبشرها بأن كيساً من الدقيق في طريقه إليها، غداة ذلك اليوم. أيقنت أمي بأن (سعيد) عائد اليوم إليها، فأحلامها تتحقق بحذافيرها دائماً. ولن يكون كيس الدقيق سوى أخي سعيد..! لم يحدث مرة واحدة أن كانت أحلامها مجرد أصغاث. حتى يوم مقتل زوج خالتي نعمة الأول ،(أبو فوزي) رأت ذلك في منامها - كما حدثتنا فيما بعد وأمَّنت الخالة على أقوالها - رأتها في ثياب سوداء تبكي وتلطم خديها. وفي عصر ذلك اليوم، قتل الانكليز زوجها أمام دكانه. وحين ذهبت أمي إليها، إثر سماعها النبأ المفجع، وعقب انصراف الجناة، لم تفاجأ بما رأت.. كانت خالتي، تماماً كما شهدتها في حلمها.

…عند العصر من ذلك النهار، طرق الباب، وكان أمامها سعيد ..! لم تفاجأ بقدومه. كانت في انتظاره، واثقة وعلى يقين. بدا سعيد أكبر بكثير من مدى شهور غيابه. كما بدا أكثر اتزاناً وهدوءاً، لكأن الغربة تركت فيه آثارها. نسيت كلمات التأنيب التي كان تعدها له، كل الوقت، في غمرة فرحها. احتضنته، فيما تساقطت الدموع على وجنتيها، وهي تقول بصوت مبحوح :

…- الحمد لله على سلامتك يمه.. برضاي عليك لا تعيدها ...

…غمغم سعيد بكلمات يعدها فيها بما طلبت إليه، فيما أرنو إليه منتظراً دوري كي أعانقه. قلبي يخفق بهجة وحبوراً، فيما تندت عيناي بدموع الفرح بعودة الغائب .

- 52 -

روايات · الصفحة ٥٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٧٥