…انتهت الحرب العالمية. ولن يطول بهم الوقت قبل أن يعودوا إلى بلادهم. الأغاني والموسيقى تصدح بها مكبرات الصوت، في كل مكان. كأن النظام الصارم المعهود قد انقلب إلى فوضى جارفة. أو كأن المسئولين يتساهلون اليوم للمناسبة السعيدة. أفواج من اليهود - أغلبهن نساء - تنقلهم الحافلات، قادمة من المستعمرات القريبة. الرقص، الشراب، تبادل العناق والقبلات.. أفواج من البولونيات ببزات عسكرية، قدمن أيضاً، فأضفين على الحفلات الصاخبة، مزيداً من الألق.
…وحدنا، العدد القليل من العمال العرب، نرنو إلى ما يجري، وكأننا في عالم من خيال. وحين تقع الأعين علينا، تطل منها الريبة والتوجس. الطاهي اليهودي (سمحون) يقول لنا والشماتة بادية في عينيه :
…- أرأيتم (يا زملائي الأعزاء) كم كنتم مخطئين أنتم وبقية العرب في انحيازكم للألمان؟ ها هو (هتلركم) انتهى.. ألمانيا.. النازية.. كله راح في داهية..!
…يلوِّح السفرجي محمود عنان بيده وكأنه غير مبال بكل ما يجري.. وهو يقول (أكثر من القرد الله ما سخط).. يدير ظهره منصرفاً وهو يغني (إيمتى حتعرف ايمتى.. إني بحبك إنت ..!.) سنرى فيلم غرام وانتقام في سينما فاروق هذين اليومين يا أولاد ..! الشاويش (هنري) في لحظة يبدو مرحاً ومبتهجاً، وفي اللحظة التي تليها ينطلق صوته مدوياً. شاتماً، لاعناً، ثم منادياً :
…- أمين.. قل لهؤلاء الأوغاد من زملائك بأن يكفوا عن ضجيجهم، وإلا ألقيت بهم في واحد من هذه الأفران...!
…وحين يجدني قد لبثت صامتاً، ومندهشاً أيضاً، يصرخ من جديد (لماذا لا تترجم لهم ما أقول يا أمين.. قل لهم هذا ..). ثم ينصرف قبل أن يتأكد من أني نفذت تعليماته. نعرف عندئذ أنه في حالة من السكر الشديد، كد أبه في كل الأوقات. بدأت تساورنا الشكوك في أمر بقائنا في العمل، نحن العمال العرب. ما حاجتهم لنا بعد أن انتهت الحرب؟ أحمد المصري أيضاً يبثنا مخاوفه، إذ هو لا يدري ماذا يصنع، وإلى أين يذهب لو حدث ذلك. وحين سألته عما إذا كان لا يرغب في العودة إلى بلاده.. وأنه ينبغي أن يكون أكثرنا فرحاً بعودته إلى وطنه وأهله، قال وهو يشرد ببصره إلى بعيد :