تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…جيراننا (دار البوجي) أصحاب الكرم المجاور، يزرعون أرضهم تبغاً. لم أعرف ذلك إلا يوم اقترب أبي من حدود كرمهم، ليحيي عمال الورشة العاملة لديهم وأصحاب الكرم. كانت هناك أكوام من أوراق عريضة بنية وصفراء، يفرد العامل ورقة على حدة، يضيف إليها أخرى ثم أخرى، إلى أن تصبح ربطة يرصها فوق الكومة العالية الكبيرة. رد القوم التحية بمثلها، ودعوا أبي مشاركتهم فنجاناً من القهوة، كانت تفوح رائحتها وهي تغلي على الموقد. بعدئذ جمع أبي عنباً وتيناً في سلة، بعد أن أسهمت في (التلقيط) معه. حملتها إليهم. تقبلها جيراننا شاكرين، داعين لأبي بدوام الخير والبركة.. وطول العمر أيضاً ..!

…خرجت من شرودي.. من رحلتي في سني طفولتي الخالية، حين ألفيت نفسي وأمينة وحيدين تحت واحدة من أشجار التين، نقطف ثمارها، وقد اختفينا تماماً في ظلها الوارف. لقد تسربت خيوط من أشعة الشمس، التي استطاعت التسلل من خلال أوراقها الكثيفة، فرسمت بقعاً دائرية صغيرة، بدت كقطع ذهبية متناثرة تتلألأ على الأرض الرملية. تنبهنا إلى ما يعنيه الموقف. سادنا شيء من الاضطراب، الذي لم تكن أسبابه واضحة لنا. بدت أمينة شاخصة ببصرها إليّ، ترمقني وعلى شفتيها ابتسامة مرتبكة. خيل إليَّ أنها تتوقع مني الدنو منها. وإذ لم أفعل، اقتربت هي، فأصبحت أمامي تماماً. صدرها الناهض يرتفع ويهبط يتسارع غريب. أوشك صدرها أن يلامس صدري. ومضت في خيالي صورة امرأة ما، ورجل ما، في مكان ما، في وضع مماثل لوضعنا هذا. اكتسحني شعور مبهم، دفعني إلى الوراء دفعاً، في سرعة ومضة برق خاطفة. تنامى اضطرابي، وتسارعت أنفاسي اللاهثة. أطرقت أمينة إلى الأرض، وقد توردت وجنتاها، بل إن دموعاً لاحت تترقرق في عينيها. بعفوية مباغتة وجدتني أدنو منها.. أحتضنها.. أضمها إليَّ بحنان. أحسست أنها تعاني حالة مماثلة.. لم يزايلني شعور حنان أخوي يجتاحني نحوها. تندت دموع في مآقينا معاً.. كأنما توحدت أعيننا وقلبانا في جسد واحد وروح واحدة .

…جلسنا تحت شجرة التين. وقتاً لا ندري مداه، نتناول حبات من قطوف العنب، غير واعين لحركة أيدينا، صامتين لكننا نتحدث بقلبينا وعيوننا، إلى أن قالت بلهجة تشي بذلك الحزن الدفين :

….. ليتنا نبقى وحدنا هنا زماناً طويلاً طويلاً ولا نرى أحداً ..

…قلت متعباً، ترزح على قلبي هموم رجل في خمسينيات عمره الشقي :

….. ويمتد بنا الزمان إلى الأبد ..

….. لا أهل ولا أقارب أو أحد.. أيّ أحد ..

روايات · الصفحة ٥٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٦٣