تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…فوزي ابن الخالة أيضاً، يقول شيئاً من هذا القبيل، كلما لاحت مناسبة مماثلة. بل هو يمضي ليقص عليَّ حكايا عن معاناته هو والشقيقات، وأنه يتحمل الكثير أيضاً، وأننا عندما نكبر ستتغير أشياء كثيرة.. أما الآن فما (باليد حيلة) على رأي الخالة نعمة ..!

…لعل إحساسي هذا كان سبباً في إحجامي عن الاستجابة لمحاولات أمينة التقرب مني والتودد إليَّ، بوسائل شتى تلجأ إليها. فهي منذ وطئت قدماها أرض دارنا تمثلت لي ولأخوتي جزءاً، بل طرفاً فيما ألمَّ بنا. صحيح أنها مثلنا - يتيمة أيضاً من أمها - محكوم عليها أن تعيش أوضاعاً ليست من اختيارها، لكن هذا لا ينفي إحساساً فاتراً، أوقل نفوراً يعترينا نحوها.

…في ذلك الصباح، وبطلب من أمي، ذهبنا معاً إلى الكرم نجني تيناً وعنباً وجميزاً. في السنوات الأخيرة لم أذهب إلى الكرم إلا لماماً. أذكر الأيام الخالية التي كان يصحبني فيها والدي، إلى كرمنا الذي يقع إلى الشمال الغربي، عند أطراف البيارات المحاذية لرمال الشاطئ. تربته حمراء تنبسط الخضرة على أرجائها، فتبدو لوحة ملونة ساحرة، بين أشجار التين، والكرمة، والتوت، والزيتون، وجميزتان كبيرتان، وسدرة عند الطرف القصي على السفح الرملي في نهاية الكرم. فوضى الأشجار المتناثرة هنا وهناك على غير نسق، كانت أجمل ما تراه العين، إذ بدت آجاماً مبعثرة، على بساط تلونه حمرة التربة وخضرة العشب والبقول، حتى أن بعضها صنعت من تلقاء نفسها، ما يشبه الخيمة من أغصانها وأوراقها الكثيفة. عريش البوص قريباً من السدرة، حيث كان يحلو لوالدي تفيؤ ظله ليغفو ساعة القيلولة، فلا يفيق إلا نحو الغروب. يبادر عندئذ إلى جرة الفخار الحمراء العتيقة، يتوضأ من مائها البارد. هذا العريش مازال على حاله، ظليلاً تتسرب النسمات مابين عيدانه الملساء رطبة منعشة.

روايات · الصفحة ٥٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٦٢