تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…لم نشعر باليتم، فيما مضى، على النحو المفجع الذي نحس في هذه الأيام. كان الأقارب والجيران، ومن حولنا جميعاً يشيرون إلينا، أو يتحدثون عنا، دون أن ينسوا إطلاق وصف (يتيم) على واحدنا. كان ذلك يخلف في نفوسنا الغضة إحساساً غريباً، هو مزيج من الشعور بالاختلاف عن الآخرين، إلى شعور بالحرمان والتسليم بقدر لاحيلة لنا فيه. قدر فرضته علينا رصاصة أطلقها كائن ما وطئ أرضنا ذات يوم، قادماً من وراء البحار لكي يكتب مأساتنا الدامية، بحركة من إصبع يده ..! صورة لاتبرح مخيلتي ..

…في أيامنا هذه، ومنذ زواجها، تغيرت أشياء كثيرة في حياتنا. لم تعد قادرة على التصرف كما تشاء. هي تراوح حيرى بين إرضاء الزوج، وبين الحدب على الأولاد، وحمايتهم من السوء، وحتى من هذا الذي يتبدى في عيونهم، ويرتسم على وجوههم من أسى ومرارة. من شأن ذلك أن يسهِّد لياليها ويشقي حياتها. بيد أنها لا تملك أن تصنع شيئاً. بدت في كثير من الأوقات نادمة على ما جرى. كان في وسعها - هكذا مضت تحدث نفسها - بأن تقيم على رفضها الزواج. لقد صمدت في البدايات، فما بالها تنصاع بعد هذا الزمن لما أملته الظروف والأهل؟ أهي الحاجة؟ الضرورة؟ الأهل؟ أم هي كل هذه مجتمعة؟ حتى الجيران وإن كانوا متعاطفين معها، رحماء بها، إلا أنهم يحملون الأفكار ذاتها، والتقاليد عينها : صبية مثلها تعيش أرملة ما بقي من عمرها؟ كيف؟ أمر من الغرابة بمكان ..!

…تفاقم إحساسنا بالظلم والحرمان والضياع. بتنا نرى في عيون الآخرين نظرات الرثاء تلسعنا كالسياط، رغم أن مبعثها هو عطفهم علينا. غير أنها ورغم النوايا الطيبة إزاءنا، تشعرنا بالدونية في كل الأحوال، وبأننا نفتقر إلى شيء يملكونه من دوننا. وعلى الرغم من أن أحمد وعلياء لا يدركان من الأمور ما ندرك (أنا وأخي سعيد)، إلا أن ملامح الانكسار البادية في أعينهما، لا تخفى على الناظر إليهما، حتى دونما إمعان. صديقي نعيم يلمس ما يعتمل في داخلي. يتجاهله تارة، ويتطرق إليه تلميحاً تارة أخرى. وحين لا يجدي ذلك يلجأ إلى مباشرة غير جارحة، كأن يقول محتداً، أو متصنعاً الحدَّة :

…- يا أخي يحدث هذا لكل الناس. الرسول عليه الصلاة والسلام عاش يتيماً.

…- ولكنه يا نعيم ...

…- أمك على الأقل على قيد الحياة.. أطال الله عمرها ..

روايات · الصفحة ٥٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٦١