…ولا ينقضي هذا العام قبل أن يختم أيامه بما هو أكثر فجيعة. وإن تكن هذه الفجيعة واحدة من ذيول المؤامرة على حياة هتلر. إنه (رومل) هذه المرة.. رومل الأسطورة الحقيقية، التي يكنُّ لها الأحترام، ويعترف لها بالعبقرية الفذة، الأعداء أنفسهم. أجل إنه رومل.. ثعلب الصحراء، هذه المرة. كان الاعتقاد سائداً بأن رومل هذا ما دام حياً، فسيظل هناك أمل يراود النفوس بعودة الأمور إلى نصابها، واتجاهات الرياح إلى مجراها الصحيح. لسوف يهزم الحلفاء على يديه، رغم كل شيء ..! لسوف يفاجئ رومل خصومه بما يقصم ظهورهم ..! أو ليس هو القائد الفذ القادر على اجتراح المعجزات ..؟ وهم الآن ينتظرون إحداها في هذا الوقت العصيب. ولكن ها هو ذا رومل يذهب. وحين يوارى رومل التراب، تدفن معه آمال كبيرة لبثت ردحاً من الزمن تضيء نفوسهم وتخفق بها قلوبهم .
…ليس مهماً أن يعرفوا أسباب موته.. كيف؟ وأين..؟ انتحر..؟ أم قتل على الجبهة الروسية..؟ المهم أنه قد مضى. الفضول وحده يدعوهم للتساؤل والاستفسار. تقول الأنباء بأن الرجل كان ضالعاً في (مؤامرة تموز) على زعيمه هتلر. وأن هذا الأخير - حفاظاً على أمجاد رومل وشهرته، ثم تحسباً لردة فعل الشعب الألماني - قد خيَّره بين الانتحار في صمت، بالسم الذي أرسله إليه مع اثنين من مارشالاته، ورفاقه في السلاح، وبين محاكمة علنية تكشف دوره في المؤامرة، فاختار الرجل الانتحار، من أجل سمعته وأسرته وبلاده .
…وحكايات تروى عن كيفية انتحاره.. عن شجاعته الفائقة في استقبال الموت أيضاً.. حديثه الأخير مع ولده وزوجته، قبل تجرع السم بدقائق معدودة. يخبرهم فيها بأنه ذاهب إلى حتفه. ماذا عليهم أن يفعلوا.. ترتيبات جنازته.. أن يتحلوا بالصبر والشجاعة.. يقبل زوجته.. يقبل ولده (مانفريد) يبتسم لهما ابتسامته الأخيرة.. وبريق دموع في عينيه.. ويمضي. وحين تبكي لأنه يقتل قتلاً وظلماً، يتندر ضاحكاً بمرارة، مذِّكراً إياها بحكاية سقراط في وضع مماثل تماماً، حين أجاب زوجته بقوله (وهل كنت تفضلين يا عزيزتي أن أقتل ظالماً ؟) .
…مآتم في كل بيت.. والحزن في كل مكان.. يرددون.. (كل شيء يسير نحو الأسوأ ... اللهم الطف بنا و أعنَّا على ما هو آت).
- 47 -