تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…دلفنا إلى مكان بدا لنا منذ الوهلة الأولى أنه حانة وصالة رقص. داهمني اضطراب شديد. لكأن عيون هؤلاء جميعاً تتفحصني.. نظرت إلى ملابسي.. حذائي. أخرجني من ارتباكي أحمد المصري وهو يدفع بي إلى إحدى الموائد، حيث جلس ثلاثتنا نرقب ما يجري.. وصوت الموسيقى الصاخبة، والراقصات اللواتي كشفن عن صدورهن وسيقانهن. جاء النادل. طلب أحمد المصري شيئاً، حتى دون العودة إلينا لعل لنا رأياً آخر. صبَّ لنا الندل قطرات في أقداح صغيرة، من الزجاجة التي أرساها بعدئذ، على المائدة أمامنا. أضاف إلى الأقداح قليلاً من الماء. ما أن تجرعت رشفة حتى غص حلقي، فكأن ناراً أحرقته. وعلى صوت سعالي تطلعت إلينا العيون، إما ساخرة أو مستنكرة. أدركت أن هذا الذي شربت لم يكن سوى الخمرة، التي طالما حذرتني والدتي من الاقتراب منها، ذلك أن (الرسول عليه السلام لعن شاربها وبائعها وناقلها.. الله يرضى عليك يمَّه)..!

…اقتربت منا فتاة دون العشرين من عمرها.. شقراء، أرسلت شعرها الذهبي على كتفيها.. توقفت على بعد خطوتين، ترمقنا بنظراتها الجريئة، ممسكة بسيجارة في يدها.. قطعت الخطوتين، ثم وقفت بين نعيم وأحمد المصري، تشير إلى سيجارتها وهي (ترطن) بالعبرية. بادر أحمد إلى إشعال عود الثقاب.. انحنت تشعل سيجارتها، لاح صدرها المكشوف، وقد تلاصق نهداها حتى بدا عميقاً ذلك الخط الفاصل بينهما. ثم سألت، وهي تنفث دخان سيجارتها، في وجوهنا، بلهجة ركيكة عما إذا كنا عرباً كما خمنت، وما إذا كنا نرغب في الرقص معهن، مشيرة إلى الحلبة. ثم مؤكدة لنا بأن هناك الكثير من البنات الأوروبيات والمحليات، اللواتي يمكن للواحد منا أن يختار من بينهن من يشاء لقضاء أمسية جميلة معها ...!

وحين نظر بعضنا إلى بعض متسائلين، وكأن عيوننا تتشاور في الأمر، تذرع أحمد نيابة عنا بضيق الوقت لدينا، الأمر الذي يدعونا للانصراف في غضون دقائق. قالت ضاحكة، فهي لم تيأس بعد، وهي تغمز بعينها اليمنى ما معناه بأنها تعرض علينا الذهاب معها..! ولدهشتي وحين أوشكت الرد عليها رافضاً ،كان أحمد المصري قد سبقني إلى الرد معلناً بأننا نتمنى ذلك، على أن يكنَّ ثلاثاً ..!

روايات · الصفحة ٥٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٥٣