تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غادرنا المكان في صحبتها، بعد أن أشارت إلى أخرى، فانضمت إلينا بغير تردد. أما هذه فكانت سمراء، ذات عينين واسعتين نفاذتين. وحين أصبحنا داخل زقاق ضيق، لا يصله إلا ضوء خافت، من عامود كهربائي، على مسافة غير بعيدة، وقفنا تحت شجرة صنوبر أغصانها الكثيفة امتدت إلى عرض الطريق، وعلى ارتفاع أمتار وراء سور الحديقة لذلك المنزل. قالت لنا الأولى بأن في وسعها أن تأخذنا إلى منزلها، لقضاء الليلة. وبقدر ما كانت دهشتي، كذلك نعيم، كان اندفاع أحمد المصري في الاستجابة لها. أحسست بغتة أنني في حالة غريبة، هي مزيج من الرغبة في المغامرة ومن الرعب، في ذات الوقت مما يجري. لكن أحمد المصري بادر إلى سؤالها عن (الثمن)..! ساومها وكأنه يشتري قميصاً أو حذاء. اتفقا أخيراً، فمضينا معاً من شارع إلى شارع، وإذ توغلنا مسافة ليست بالقصيرة، بين المنازل المضاءة فيما أصوات الراديو، ناطقة بالعبرية سواء كان حديثاً أوأغنية، تصل إلينا من وراء جدران تلك البيوت التي نمر بها. تملكني الخوف بغتة.. وتذكرت في ذات اللحظة ..(اليهوديات يا أمين.. لا تأمن لليهود يمه ..!) كأنها تنظر إليَّ الآن.. أكاد ألمح وجهها أمام ناظري، وقد ارتسمت عليه علامات الخيبة والدهشة والغضب ..! توقفت فجأة.. سحبت نعيم إلى الوراء بشدة، فتوقف حيث هو، فيما تابع أحمد المصري سيره معهما :

…- اسمع يا نعيم.. لن أمضي خطوة واحدة أخرى مع أحمد.. إلى أين يذهب بنا معهن.. إلى أين ..؟

…- انا الآخر بدأت أشعر بالخوف.. يمكنهم أن يذبحونا ويخفوا آثارنا هنا.. (و لا من شاف ولا من دري.. ونكون رحنا في شربة ميه)

…- إذن هيا بنا. نادِ أحمد، ولنعد على الفور..

…- ولكن إلى أين ؟

…- إلى المعسكر نبيت هناك، ونزعم لأهلنا أن ورديتنا امتدت حتى الصباح.. المهم أن نخرج من هذه الورطة ..!

في طريق العودة، لم يكفَّ أحمد عن التنديد بنا، ووصمنا بالجبن والخيبة أيضاً، إذ أضعنا (فرصة عظيمة) لقضاء ليلة رائعة في صحبة اليهوديتين.. جين ومادلين ..!

- 45 -

روايات · الصفحة ٥٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٥٤