…زعمت لوالدتي أن علينا وردية ليلية ذلك اليوم.. وفي المساء كنا ثلاثتنا في رخبوت. شوارعها المضاءة مكتظة بالمارة .واجهات المحال الساطعة الأنوار حافلة بكل شيء. الخواجات يتأبطون أذرع النساء جهاراً نهاراً. بل يقبلونهن أيضاً في الطريق العام ..! تفرعات ذلك الشارع العريض، والمداخل العديدة إلى شوارع كثيرة أضيق. كيف نعثر على بيت سارة وسط هذه المتاهة.. تلك هي المسألة؟ ولكن ذلك لم يعجز أحمد المصري، الذي جعلنا نعرف طريقنا إلى منزل سارة، على هدي العنوان المكتوب في الورقة وسؤال بعضهم عن اسم الشارع المنشود ..! لم نكن بنا حاجة إلى طرق الباب بقبضة يدنا، كما نفعل في يبنا، إذ ضغط أحمد المصري على زر مثبت على الجدار، ففتح الباب بعد ريث. وإذا هي سارة أمامنا وجهاً لوجه. نظرت إليها دهشاً لكنها انقضَّت علي.. قبلتني في الوجنتين، متجاهلة من معي. لبث نعيم مندهشاً إلى أن دعتنا للدخول، فيما نظر إلينا أحمد المصري مبتسماً.. بل ضاحكاً، يهز راسه يميناً ويساراً ،وهو يهمس كمن يحدث نفسه (أيوه يا عم ..!). عرفتنا على أبيها موشى، وأمها استر. غرفة جلوس صغيرة. عدد من الكراسي في صدرها وعلى جانبي مدخلها. على جدرانها علقت صور شتى بعضها لفتيات عاريات، وبعض لزعماء من اليهود. وحين رأتنا ننظر والتساؤلات في أعيننا، شرعت وهي تشير إلى كل منها، تشرح ما هي ومن هي.. النساء ممثلات في أفلام ذكرت أسماءها، دون أن نعرف شيئاً مما تقول. أما صور الرجال فهي حسب تعريفها : لنبي صهيونيتهم (هرتسل) ولزعيمهم (وايزمن) الذي حصل لهم من الانكليز على وعد بلفور.. وآخر اسمه (بن غوريون) هذا فضلاً عن صورة أبويها يوم زفافهما، وصورة كبيرة لها هي في مدخل البيت.
…ندمت على مجيئنا إلى هذا المكان.. مالي ولسارة هذه، ويهودها وصور زعمائها وأنبيائها المزعومين. ولكننا جئنا، وانتهى الأمر. في الطرقة الصغيرة، البادية لنا على قيد خطوتين أو ثلاث داخل البيت، جلست استر، وهمَّ بالجلوس قبالتها موشى، وهو يعتذر لنا من بعيد قائلاً :
…كنا سندعوكم لتناول العشاء لولا أن الطعام معدٌّ لنا وحدنا من قبل ولا مجال لدعوة آخرين ..!