تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…ينصرف غير منتظر سماع ترجمتي، أو ردة الفعل الناجمة عنها، من قبل هؤلاء. لكن الصمت المطبق يخيم على الجميع، والهلع يدب في أوصالهم. لا يسمع سوى هدير الأفران، وهسيس الآنية التي يغلي فيها السائل أو الطعام. البخار ورائحة الخليط الهائل من الأطعمة و الأشربة، تبدو واضحة تماماً الآن أكثر من أي وقت آخر.. وإلى أن يأتي الله بفرج من عنده، على صورة انتهاء الدوام.. أو إقلاع سيارة الشاويش هنري، ذاهباً إلى مهجعه أو صالة العرفاء. يتنفسون الصعداء، ويحمدون ربهم أن مرت ثورة الشاويش هنري بسلام، هذه المرة أيضاً.

لهذا أصبحت موضع حسد منهم، لكن بعضاً آخر أخذ يسعى للتقرب مني والتودد إليّ. من هؤلاء (السفرجي) أحمد المصري. وعلى الرغم من أنه يكبرني ببضع سنين، إلا أنه استطاع أن يبني صداقة وطيدة مع كلينا، نعيم أبو جلالة وأنا. كما أنه نجح في بناء صداقات مع العاملين من اليهود أيضاً. توطدت عرى صداقتنا أكثر، حين أعلمته بأن عائلتنا مصرية الأصل، وأن جدّي لأبي قدم مع الجيش المصري في غزوة إبراهيم باشا لفلسطين، حيث أقام فيها من بعد. لماذا بقي في فلسطين ولم يعد مع الجيش المصري؟ هذا ما لا أدريه، إذ استشهد أبي قبل أن ينبئنا بشيء عن ذلك. هتف أحمد المصري حينئذ، وهو ينقض عليّ يحتضنني ويضمني إلى صدره قائلاً :

…- نحن بلديات إذن ... يا سلام يا أولاد ..!

…أكد لنا أحمد المصري، بأنه وجد الآن.. والآن فقط تفسيراً لتلك المشاعر التي كانت تخامره نحونا (أنا ونعيم)، فالدم (لا يصير ماء)، و لا بد أننا ننتمي إلى أرومة واحدة، وان دماءنا المشتركة مصرية، من عهد خفرع وتوت عنخ آمون ..! منذ ذلك اليوم أصبحنا نتحدث في كل ما يعنُّ لنا. قضايانا الخاصة.. وقصتي في معسكر قطرة.. واليهوديتان سارة وريبا.. البولونيات والانكليز واليهود هناك. وفي ذات يوم اقترح علينا أن نذهب ثلاثتنا إلى رخبوت، ما دامت سارة سبق لها أن دعتني إلى منزلها ..(وإلا لماذا أعطتك عنوانها ..؟ هناك سوف ترون العجب. سبق لي أن ذهبت إلى رخبوت مرات عديدة.. رأيت اليهود على طبيعتهم، كما هم، في الأسواق، في البيوت، في الكازينوهات والملاهي. لنذهب يا شباب.. وبما أن خير البر عاجله.. فلنذهب مساء اليوم، حيث لا وردية ليلية لدينا أو نذهب غداً إن شئتم ..!) .

روايات · الصفحة ٥٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٤٩