تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…لدى عودتنا إلى القرية في المساء، كانت تعج بأفراد البوليس، تماماً كما حدث يوم مقتل يسرى اليافاوية. اتخذوا من مضافة المختار الحاج مصطفى أبو عون مقراً للتحقيق. حققوا مع الكثيرين.. اعتقلوا عدداً من الشبان على ذمة التحقيق. وانتشرت الشائعات بلا حصر : كان الرجل قادماً من إحدى قرى الشمال، محمِّلاً حماره بضاعة يبيعها في سوق يبنا أو المغار.. الذين قتلوه لصوص سرقوا بضاعته ونقوده ... قتل الرجل خصوم له أخذاً بالثأر، بعد أن تربصوا به في هذا المكان النائي ... الرجل سمسار أراضي قتله ثوار ... الرجل ... الرجل ...

…لم يبرح خيالي مرأى الجثة تلك الليلة.. امتنعت عن تناول العشاء ..رافقتني صورة القتيل، وتحركات البوليس عشية ذلك اليوم حتى في أحلامي .

- 44 -

…بواكير الربيع، وما زالت لسعات البرد تلفح الوجوه، لكنها ليست كتلك التي عهدناها في أعياد الميلاد، ورأس السنة، وشهور الشتاء الأخيرة. كل شيء في الداخل كان مريحاً ومسلياً، على الرغم من المناكفات، التي لا تتوقف بين العمال العرب أنفسهم من جهة، وبين هؤلاء واليهود، الذين يتكلمون العربية، من جهة أخرى. إلا أنها لم تكن تتطور إلى ما هو أكثر من ذلك. و الفضل في هذا يرجع للشاويش (هنري) المخمور دائماً : وصفّ الضابط (ستانلي). كانا على قدر من الشدة والصرامة ترهب الجميع. من ثم لا يتجاوز هؤلاء وأولئك حدوداً معينة .

…شاء لي حسن الطالع أن أغدو موضع رضاهما، لا لشيء إلا لأنني ألمُّ - ولو بتواضع - بلغتهما الانكليزية. كان علي أن أقوم بترجمة التعليمات، وربما الشتائم أيضاً، الصادرة عنهما للعمال. نعم أمسيت حتى دون سعي مني، المترجم المعتمد لكليهما، الأمر الذي أبهجني حقاً، إذ أصبحت في مأمن من نوبات الغضب، التي كانت تنصب على رؤوس الآخرين، حتى دون أن تكون هناك أسباب وجيهة في أكثر الأحيان. الشاويش (السيرجنت هنري) يبلغ به الغضب أحياناً حداً يدفعه إلى قلب محتويات الأواني.. أو أن يضرب بحذائه الضخم مائدة أو إناء، وكأنه يقذف بكرة قدم، فيما هو يصيح، ويكيل الشتائم، ثم يهتف :

…- أمين.. تعال أنت.. قل لهؤلاء الأوغاد بأن صبري قد نفذ. قل لهم أن يكفوا عن.. أن يذهبوا إلى.. نعم قل لهم أن يذهبوا جميعاً إلى الجحيم.. ولينفذوا ذلك على الفور.. هذه تعليماتي.. قل لهم ذلك ..!

روايات · الصفحة ٥٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٤٨