…نتجمع عند الفجر في سوق الجميزة أولاً، ثم ننطلق شرقاً في طريق ترابي من خلال البيارات والحقول والأرض العراء، المزروعة قمحاً أو ذرة أو بقولاً، إلى أن نبلغ جارتنا قرية المغار، المتربعة فوق ربوة عالية وعلى سفوحها. دخان (الطوابين)، كما رائحة خبزها الساخن تضمخ الأجواء من حولها. وإذ نعبر الأزقة الضيقة عند طرفها الجنوبي، نلتقي أناساً من أهل المغار هنا وهناك، ممن بكَّروا في السعي إلى حقولهم، يجرُّون دوابهم وأغنامهم وأبقارهم. أو نلتقي عمالاً مثلنا ينطلقون إلى المعسكرات والبيارات. الحياة تمور بأوجه النشاط منذ بواكير الصباح. ثغاء الأغنام، وخوار البقر.. رائحة التربة الندية.. زقزقة العصافير فوق الأشجار وعلى الأسطحة. برد الصباح في هذا الوقت من الشتاء. يغذُّ موكبنا السير فنبلغ المعسكر مع بداية الدوام .
…ذات صباح ليوم أحد، وقبل أن نبلغ مشارف المغار، على الطريق الترابي غربيها، والشمس قد بزغت لتوها، توقفنا جميعاً دفعة واحدة، وكأن أحداً أمرنا بأن نفعل ذلك، أمام جثة رجل ملقاة على قارعة الطريق، يقف إلى جوارها حمار أبيض، يضرب الأرض بقوائمه. أصابنا الهلع.. تحلقنا حول الجئة. الرجل ميت منذ وقت ليس بالقصير، فيما بدا للكبار من بيننا :
….. الدم متجمد حوله يا جماعة.. قتلوا الرجل فياويلهم من الله ...لا بد أنهم لصوص.. قطاع طرق ...
…تذكرنا ما كنا قد شهدناه على الطريق قبل وصولنا إلى هذا المكان، ولم نأبه له ساعتئذ. ثلاثة رجال ملثمين مروا بنا مسرعين، يتجهون غرباً في طريق يبنا. لعلهم هم القتلة ..؟ بل لا بد أنهم هم، وإلا فمن يكون غيرهم؟ ألم تروا إلى عجلتهم.. حتى إنهم لم يردوا علينا الصباح ..! لم يردوا طبعاً خشية انكشاف أمرهم. تابعنا طريقنا، يغشانا الخوف والأسف لموت إنسان في هذه الفلاة، فيما أهله ينتظرون عودته سالماً غانماً. مضينا نضرب أخماساً في أسداس.. تكهنات.. تعليقات.. تفسيرات شتى.. كل يدلي بدلوه.. ويستعرض ذكاءه ..!