…لم نشهد من قبل أعياداً للميلاد أو لرأس السنة. أعيادنا التي نعرف، هي عيد المولد النبوي.. عيدا الفطر والأضحى، حيث أمي والجارات يسهرن حتى الصباح، منهمكات في صنع الكعك والمعمول، فيما نحن نحوم من حولهن. رائحة المحلب وشذى الينسون تغمر البيوت والزقاق، بل الحي كله لا سيما عند عودتنا من لدن الفران (أبو ربحي الغزاوي)، نحمل الصواني على رؤوسنا، إذ النساء لا يخرجن في مثل هذا الوقت. عيد الميلاد هذا كان شيئاً مختلفاً. ولأنه عيد الميلاد فقد طلب إلينا العمل في ورديات متلاحقة ومكثفة. وإذا كان الاستاذ شفيق موسى يؤكد لنا أن عجائب الدنيا كانت سبعاً، فليلة الميلاد هذه كما رأيناها هي العجيبة الثامنة ..! صخب وصياح، وحركة دائبة.. نداءات، وحث للهمم، تنديد وشتائم مقذعة ..! الطباخون والمشرفون في حالة استنفار.. اختلطت أصوات البشر بهدير الأفران.. بروائح اللحوم والدجاج والأوز ولحم الخنزير والبقر.. مع عبق الفطائر والشطائر، وصنوف الحلوى التي حصر لها. البخار سحابة تغطي كل شيء، يكاد المكان يتفجر دفئاً وحرارة، لولا دفقات من الهواء البارد تقتحمه عندما يفتح باب أو يغلق آخر. المطر ينهمر غزيراً في الخارج، والبرق يومض، والرعد يهدر كقصف القنابل. مذكراً الانكليز بالغارات الألمانية. زجاجات الخمور على الموائد، وفي أيدي الجنود، في كل مكان. وعلى المنصة التي تقع في صدر الصالة كان سرب من اليهوديات يرقصن في استعراضات جماعية، وفردية في البداية، ثم ينضم إليهن عدد من الانكليز يراقصونهن على إيقاع الموسيقى الصاخبة التي تصم الآذان .
روايات · الصفحة ٥٤٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
رواياتص ٥٤٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي