تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…بيد أن الوقت لم يطل قبل أن نعلم بأن معسكر عاقر يطلب عمالاً. كنت بين أوائل المتقدمين. وفي غضون أيام قليلة، ظهرت النتيجة، التي علقت على اللوحة، عند بوابة المعسكر. بقدر ما كان حزني لدى مغادرتي (قطرة)، كان فرحي اليوم في (عاقر). نعيم أيضاً بين المقبولين. بل إن حسن الطالع رافقنا هذه المرة، إذ كان نصيبنا معاً العمل في المطبخ. مساعد طباخ.. سفرجي.. أي شيء.. نتقن العمل أو لا نتقن، لم يسألنا في ذلك أحد. إلحاقنا بالطباخين، عرباً ويهوداً، و ذوي الاختصاص هنا كفيل بتعليمنا ما لانعلم. نتلقى تعليماتهم وتوجيهاتهم وننفذها.. نقشر الخضار.. نعد الفواكه.. نضع الشاي في (براميل) كبيرة ممزوجاً مع هذا المسحوق الأصفر الذي يقولون أنه حليب.. ننقل المواد والأدوات إلى حيث يجب أن تنقل.. نصنع أي شيء دون أن نعرف شيئاً. هم الذين يوجهون حركتنا، وهم الذين يعينون المقادير، ومجمل التفاصيل اللازمة ..!

…الجنود يفدون تباعاً إلى قاعات الطعام في الصباح الباكر لتناول الأفطار. يقفون بالدور في (طابور) طويل، يحملون أطباقهم في أيديهم. يضع السفرجي لواحدهم في طبقه بيضاً مقلياً، وشرائح من لحم الخنزير، وأصابع النقانق، ثم يمر هذا أمام خزانات الشاي، ليملأ من حنفية في أسفلها ،كوباً معدنياً كبيراً، قبل المضي إلى قاعة الطعام، حيث أعدت الموائد وعليها شرائح الخبز الأبيض، والمحمَّص الذي يسمونه هم (toast) وقوالب الزبد والمربى، وبشر القمح (corn flake). يضج المكان بالصخب والضحك بل والعربدة. يحدث مثل ذلك في الغداء والعشاء مع الفارق في نوعية الطعام ليس إلا. شرائح اللحم البارد، والخضار المسلوقة، لاسيما البطاطا، معجونة بالحليب والزبد. ثم الحلوى بعد ذلك من سلطة الفواكه المعلبة، والمعجنات ذات الأنواع والأسماء الغريبة.. جلي.. كراميل.. والكثير مما لم نعرف من قبل. حتى لقد غدونا موضع حسد رفاقنا على عملنا الشيق هذا. كنا نستمرئ ذلك الحسد إذ أتيح لنا أن نرتع في هذا النعيم المقيم من دونهم ..! كان علينا أن نتبادل (ورديات) على مدار اليوم. ومن حين لآخر يجيء دورنا لوردية ليلية، مما يقتضينا المبيت في المعسكر. لم ترتح والدتي لذلك، واعترضت عليه. كيف (تبيت عند الانكليز واليهود يمَّه). غير أنها لم تلبث أن رضخت للأمر الواقع .

روايات · الصفحة ٥٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٤٤