تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…مورد الرزق الوحيد ينقطع. ونتاج الأرض لا يوفر لنا أكثر من طحين للخبز، وأشياء أخرى قليلة، نحصل عليها مقايضة ببعضه، وبما نناله من ثمن بخس ببيع بعض آخر. والرجل الذي حلَّ بيننا أبدى أنه ليس مسؤلاً عنا، منذ البداية. بل هو ليس في حال تسمح له بذلك حتى لو أراد. ولسوف يضيف هذا مزيداً من الضنك والعناء لأمي الملتاعة، التي لم يقدر أحد على تقديم وصفة مجدية لها غير (الصبر). وأي أسى يخلف في نفسي فراق المعسكر وما تعودته فيه. الابتعاد عن سارة ليس كل ما يؤسفني، على الرغم من أنها حاولت التخفيف عني بكلمات، هي في نهاية الأمر، لا تعني شيئاً .

…طبعت على الآلة الكاتبة عنوان منزلها في رخبوت، وأكدت لي، ترحيبها بزيارتي لها هناك إن شئت. بل إنها أصرت على أن أفعل. أستمع إليها واجماً، ثم متسائلاً بيني وبين نفسي (هل يعقل أن أزورها في رخبوت ..؟ وصايا أمي.. والخطر المتربص بي آنئذ..). وإذ طال صمتي، وامتدت إطراقتي أكثر مما ينبغي على ما يبدو، انحنت علي لتطبع قبلة على وجنتي، إذ كنا في ركن من المقصف وحدنا، وقد خلا من روداه، كالمعتاد في مثل هذا الوقت من النهار. ثم قالت :

…- على اية حال لن تنقطع عن العمل اليوم أو غداً. لا يزال أمامك أسبوعان من الآن .

…- وبعد الأسبوعين يا (مس سارة)..؟

…- يعني ...!

…أمضيت الأيام الباقية، أكاد لا أؤدي عملاً، في انتظار اليوم الأخير الذي جاء سريعاً .

…ليل الأرق طويل، ولكن ها هوذا ملل النهار طويل أيضاً. المشي في أزقة يبنا.. بين الدكاكين والمقاهي.. إلى سوق الجميزة.. مع فوزي حتى سور المدرسة، والنظر إلى التلاميذ يصخبون ويلعبون في باحتها وحديقتها أحسست بالحنين إليها .. حتى قراءة صفحات من هذا الكتاب أو هذه الجريدة، لا يكاد ذلك كله يملأ من هذا الفراغ المتنامي شيئاً. وأمي التي كنت أحسب أن انقطاعي عن العمل يسبب لها إزعاجاً لا حدود له، لم يبد عليها أنها اكترثت كثيراً. هل كان ذلك موقفها حقاً، أم انها لم تشأ أن تثقل على كاهلي فتحملني من الهموم مزيداً..؟

روايات · الصفحة ٥٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٤٣