تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…قال محمد الشريف للجوار، عقب انقضاء أيام العزاء، بأنه ذاهب إلى يافا ليومين أو ثلاثة من أجل أمور تهمُّه. عاد بالفعل في اليوم الرابع، وقد بدا عليه الحزن و الأسى. استطالت لحيته، وغدا ممتقع اللون، كما لو أن مرضاً عضالاً ألمَّ به. وفي أعقابه، عصر ذلك اليوم، جاءت سيارة تحمل بضائع جديدة، لم تتسع لها الرفوف وأرض الدكان، فوضع كميات منها أمامها وعلى جانبيها كادت أن تسد الطريق. وقفنا، عدد من الغلمان والفتيان، نرقبها لدى تفريغ حمولتها. كذلك فعل بعض الرجال ،الذين كانوا في طريقهم إلى الجامع، وقفوا يتفرجون. ولم يزحزحهم عن مكانهم سوى صوت المؤذن. تحركوا عندئذ، وهم يتساءلون عن محتويات حمولة الشاحنة، وعن الرجل الذي سرعان ما عاد إليه نشاطه، وأسعفته همته. أما هو فقد كان يغمغم على مسمع منهم بأنه إنما يؤدي واجبه، إذ ليس في وسعه أن يقطع عن الناس حاجاتهم وضرورات عيشهم. يقول ذلك وكأنه ينتظر شكرهم على أريحيته .

…تذكرت عندئذ، ما زعمه الهندي، زوج خالتي، يوم كنا في يافا بأنه رأى محمد الشريف هناك في زيّ غريب كالمتنكر، وقلت إنه - الهندي - كان واهماً دونما ريب، أو أنه تراءى له أن من رآه كان محمد الشريف هذا لكم أساء الظن زوج خالتي بهذا الرجل الطيب .!

…أعقب ذلك إقبال الناس على دكان محمد الشريف، أكثر من أي وقت مضى. كما أن الرجل سرعان ما خرج عن تحفظه وانطوائه. أخذ يجالس الآخرين، سواء في الجامع، أو في مضافة المختار. يحضر المآتم والأعراس، لكي يرد لأصحابها جميلهم، يوم وقفوا إلى جانبه في محنته. بل إنه وهو الذي يعرفون قصة خروجه على ذويه، ولجوئه إلى قريتهم هذه، كيما يعيش بعيداً عن بني جلدته، ضماناً لحريته في اعتناق العقيدة التي اختار، وما أفاء الله عليه من نعمة الأيمان والهدى، لجدير بحدبهم ورعايتهم.

روايات · الصفحة ٥٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٣٧