…وإذا ما جرى الحديث حول الانكليز واليهود، شاركهم الرجل التنديد بهؤلاء وأولئك. فالانكليز هم أصل البلاء في هذا العالم. واليهود تركوا أوطانهم، ومساقط رؤوسهم في اوروبا، لكي يأتوا إلى هذه الديار.. لماذا يفعلون ذلك؟ لماذا لم يذهبوا إلى الأرجنتين أو غانا، حيث فكروا أول الأمر؟ بل كان يحدثهم عن أمور يجهلونها، أو يعرفون القليل عنها. أنَّى لهم مثلاً أن يعرفوا، في هذه القرية، شيئاً عن (مؤتمر بلتمور)، وما قرر اليهود فيه؟ عن العصابات اليهودية بأسمائها ومسمياتها العاملة الآن ضد الانكليز؟ عن دور اليهود في المراكز المالية العالمية والبنوك والشركات.. إنهم كالأخطبوط، يتدخلون في كل شيء، وينشرون حبائلهم ودسائسهم في كل مكان. غير أنه في النهاية يبدي شيئاً من العطف على (مأساتهم)، إذ هم عرضة، على الدوام، لأخطار شتى تحيق بهم في أوروبا. وهم من ثم معذورون إذا ما فكروا في النزوح إلى مكان آمن كفلسطين، ثقة منهم بأن أهلها كرماء بما فيه الكفاية، للسماح بإيوائهم بين ظهر انيهم، فضلاً عن الثقة في حماية الانكليز لهم.
…أما (تيودور هرتسل) ذلك المجنون الذي حلم باقامة دولة لليهود في (أرض الميعاد)فليس أكثر من إنسان خيالي كان يعيش في وهم كبير ..! بل إنه لمعتوه أيضاً إذ يشتط به الوهم الى هذا الحد.
…ينصت الناس إليه، ويعجبون بسعة اطلاعه وغزارة علمه. بل إن الكثير منهم أمسوا يقصدونه في حانوته، للأستماع إليه. أو هم يلجأون إليه لاستشارته، حتى في امور قد تكون خاصة. فالرجل كأسمه (شريف)، وموضع ثقة. بل إن حسن الطالع وحده، هو الذي جاء به إلى قريتهم، لكي يتخذها موطناً، دون غيرها من بلاد الله الواسعة ..!
…أمي أيضاً أوصتنا، وكذلك الخالة نعمة أوصت أولادها ألا نقصد، بعد اليوم، غير دكان الشريف لشراء حاجاتنا. فهو، فضلاً عن كل ما أصبح معروفاً عنه، يبيع بضاعته لهم بأسعار زهيدة، تقل كثيراً عن أسعار أصحاب الحوانيت الأخرى، أبناء بلدتهم ذاتها :أبو العبد الرملاوي.. عبد الله أبو نحلة.. عثمان أبو حسنين ..! الرجل قنوع ويخشى الله في البيع والشراء.. في السرِّ والعلن ..!
- 42 -