ودخاناً ورائحة بنزين خانقة .
- 41 -
…في أواخر ذلك الشتاء توفيت (حفيظة) زوجة محمد الشريف. وكما في كل حالات الموت، يندهش الناس أول الأمر، ثم لا يلبثوا أن يعتادوا ذلك وينسون. دهش أهل القرية، ولا سيما نساؤها لموت حفيظة المفاجئ، إذ كانت موفورة الصحة والعافية، فكيف ماتت؟ زوجها - الطارئ على القرية منذ سنين - لا يبخل عليها بشيء، وهو يعاملها كأحسن ما يعامل رجل زوجته.. فلماذا تموت..!؟ أما هو، الرجل الطيب، الوديع كالحمل، فقد تركته حفيظة وحيداً في هذه القرية، التي لا قريب له فيها و لا صديق، على الأرجح. ابنتها (وداد) من زوجها الأول بقيت معه. لقد تربت في حجره منذ طفولتها، فهي بمثابة ابنة له. لا سيما أنه لم يرزق بولد من حفيظة. عمر وداد الآن ثلاث عشرة سنة أو نحوها.. أكبر قليلاً أو أصغر قليلاً.. ليس هذا مهماً، فالناس في القرى قد لا يعرفون حقيقة أعمارهم، وتواريخ ولاداتهم، على وجه اليقين .
…لقد رأوه بأم أعينهم يذرف الدمع هتوناً، وهو يمشي وراء نعشها. بل لقد انتحب لدى مواراتها التراب. لم يحتمل متابعة المشهد الأليم، فانتحى جانباً، كي لا يتمزق فؤاده وهو يراها تلحد أمام عينيه، توارى الثرى في تلك الحفرة المهيبة الرهيبة، التي هي الموطن الحقيقي، والمسكن الدائم لكل كائن من البشر. هكذا واسوه، لكي يهوِّنوا عليه. ثم هولم يتأخر عن عمل كل مامن شأنه أن يعينها على الشفاء، كنقلها إلى يافا لمراجعة أطبائها، بعد أن عرضها على اسحاق الحكيم اليهودي في القرية، دون أن يفضي مسعاه إلى النتيجة المرجوَّة .
…أقام الرجل مأتماً مهيباً. قرأ المشايخ القرآن الكريم على روحها الطاهرة. تناول المعزُّون القهوة السادة. وزَّع الصدقات عن روحها، على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، من محتويات دكانه، كالأرز والسكر والطحين والصابون، وحتى علب السردين وعلب الكبريت وصودا الغسيل ..! لم يدخل دكانه أحد في الأيام الثلاثة التي تلت وفاتها، دون أن يهبه شيئاً من محتوياتها .
…لغط الجميع بذكره، وأثنوا عليه ثناء حسناً، ودعوا الله مخلصين أن يعينه على مصابه، وأن يلهمه، بحق، جميل الصبر والسلوان. وما دام الرجل على هذا القدر من الطيبة والحنو، فلسوف يرعى ربيبته وداد كما لو كانت ابنته من صلبه.