تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…خالتي نعمة تأتي كل يوم لتقضي سحابة النهار. وفوزي أيضاً يرافقني اكثر الوقت. لم يتغير الكثير في أسلوب حياتنا، سوى دخول ذلك الرجل فيها. كان شرطاً لها أن يقيم معنا كي لا تبتعد عنا. ولما كانت له ابنة في مثل سني (اسمها أمينة)، فقد جاءت معه أيضاً. لم أشعر نحوه بمحبة ولا بكراهية. شعور محايد تماماً. نقمتي وإخوتي كانت تتجه نحو الظروف القاهرة، التي أملت علينا ما لا نريد. هو من ناحيته لم يسْعَ إلى التقرُّب منا و التودُّد إلينا.. يتصرف وكأن لا وجود لنا. كان يدرك موقعه منا أغلب الظن، فالتزم جانب الحذر حيالنا. أما أخي سعيد فقد أسرَّ لي بأنه يكره الرجل كرهاً شديداً. بدا لي سعيد، في هذه الأيام شاباً مكتمل الرجولة. نما الشعر في وجهه وشاربيه. بدا أطول مما كان قبلاً. عيناه الواسعتان تحت حاجبيه الكثيفين، تنبئان عن رجولة مبكرة، لا سيما وأنه دائم العبوس والتقطيب، حتى دون أن تكون هناك أسباب موجبة. كان سعيد يتجنب رفقتي فيما مضى، بدعوى أنني (ولد) وهو ذاهب إلى أمثاله من الشباب، ولا يليق بالتالي أن يصطحبني معه، أصبح الآن يميل إلى مرافقتي، إثر عودتي من المعسكر عند العصر. نذهب إلى مقهى الخال (أبو داود)، أو إلى رفاق له في ساحة القرية أو سوق الجميزة. يريحني ذلك الأحساس بالطمأنينة في صحبته. أما رفاقي فقد حسبت أني لن استطيع مواجهتهم بعد الذي حدث. لكن هؤلاء لم يبد على أيٍّ منهم أي جديد. نعيم يحدثني كعادته عن بولونيته الشقراء. سعيد الجمل يروي لنا الحكايا عن يافا، وثانوية العامرية، التي سوف يواصل فيها دراسته حتى شهادة المتريكوليشن (Metriculation). سليمان أبو سليمان يطلق العنان لغنائه (.. يا ظريف الطول ماشي الواد الواد ..) أو تقليده لواحدة من أغاني عبد الوهاب أو فريد الأطرش. وكما تمضي الحياة بنا دون تغيير ذي بال، كذلك كان شأنها مع عامة الناس في قريتنا. المقاهي تغصُّ بروَّادها، أربعة شاي.. قهوة يا ولد.. طرقات الزهر و الدومينو.. صوت الراديو يصم الآذان.. سيارات الجيش العابرة.. من فيها يحيُّون أو يشتمون.. جرس المدرسة يدق فيما ننتظر السيارة التي تقلُّنا إلى المعسكر. تلك هي قادمة تهدر من بعيد.. تنقض علينا كوحش كاسر، لكأن سائقها ينوي أن يدوسنا تحت عجلاتها ..! بعنف يفرمل في اللحظة الأخيرة، فيجأر صفير كوابحها.. نهرع إليها متدافعين للتسلق من الخلف.. لحظات خاطفة، وإذ الجميع على متنها، لتنطلق مزمجرة، مثيرة غباراً

روايات · الصفحة ٥٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٣٥