…في طريقي إلى الساحة الواقعة عند أطراف المعسكر من الخارج، يلتقي العديد منا عند الانصراف. ننتظر سيارة الجيش القادمة من معسكر عاقر، التي اعتدنا أن نقفز إليها عند الدَّوار في رواحنا، كما نقفز منها، عندما تخفف من سرعتها، في ذات المكان عند مجيئنا في الصباح. هذا الترتيب الذي درجنا عليه منذ حظينا بالعمل في معسكر قطرة. إذ هم لا يخصصون لنا وسيلة نقل إلى يبنا لقلة عددنا، وعلينا إذن أن نتدبر أمرنا بطريقة أو بأخرى. في ذلك العصر ألفيت سيارة نقل مدنية تقف إلى جانب الطريق. عرفت أنها واحدة من سيارات شركة (سوليل بونيه) اليهودية، التي تتعهد أعمال الانشاءات والطرق للبريطانيين، في معظم أرجاء فلسطين. ولما كانت تقف عند منحدر خفيف، وكنت أحلم دائماً بذلك اليوم الذي أقود فيه سيارة، وأفكر في طريقة القيادة ومتعتها إلى حد الهوس، وكذلك كان شأن أترابي جميعاً. يخيل لي أحياناً بأني أجلس وراء عجلة القيادة.. أحرك المقود.. أرفع قدماً وأضع الأخرى فوق (دواسة البنزين) أو الفرامل ... أنطلق بها كالريح ...! خطر لي ذلك كله في لحظة خاطفة. وسرعان ما وجدتني بداخل سيارة سوليل بونيه هذه. أحل فرملة اليد، وإذا بالسيارة تتحرك حتى قبل أن أفعل أي شيء آخر، لتدرج نحو المنحدر. فوجئت بما حدث وكأني لم أكن أتوقعه.. ماذا أصنع؟ يا ألهي؟ لا وقت للتفكير ولا للتصرف.. إلى أين ستمضي بي ..؟ تملكني الهلع .." إذا ما انقلبت الآن هذه اللعينة.. لو صدمت إنساناً أو حيواناً.. وصايا أمي.. ها أنذا أسوأ من سعيد ..". لكنها وكما تحركت بغتة ودون سابق إنذار توقفت فجأة لدى ارتطامها بصخرة على جانب الطريق، عندما جنحت إلى اليمين قليلاً.. تنهدت عميقاً كأني أخرج جبل الرعب الذي جثم على صدري دهراً. نظرت إلى الصخرة .." لا شك أن دعوات أمك هي التي أوقفتها في اللحظة المناسبة والمكان المناسب ،كي تحول دون وقوع الكارثة المحققة، التي كانت في انتظارك ...". قفزت منها على الفور، حين تناهت إلى سمعي عن بعد، صيحات غاضبة. نظرت إلى الوراء فيما انطلقت أعدو بما أوتيت من قوة. كان سائقها اليهودي يصيح :
….. وقِّف يا ملعون.. يا عفريت يا ابن العفاريت.. ساذبحك وحياة ديني ..!