…لم يهدأ روعي إلا حين أمسيت بعيداً عن المعسكر، والتقيت نعيم في مكاننا المعتاد. رويت له، مبهور الأنفاس، ما حدث، فيما كانت تقترب منا كوكبة من البولونيات، خرجن للتمشي على الطريق. أخذنا نتفرس فيهن حتى أوشكت أن تدوسنا السيارة القادمة من معسكر عاقر. قفزنا إليها في اللحظة الأخيرة، ونحن نلوح لهن كما لو كان بيننا وبينهن سابق معرفة أو انتظار لقاء ..
…
- 39 -
…
…أيام وشهور توالت على الناس، وهم يرقبون أحداث الحرب الجارية التي تفاقمت أكثر فأكثر، لا سيما بعد ما سمعوه عن دخول أمريكا تلك الحرب، بقوات ومعدات هائلة إلى جانب الحلفاء، أو هم يشكون ضنك العيش وشح الموارد. البرتقال لا أسواق لتصريفه، فالبحر مغلق، وموسم قطافه هذا العام كان أسوأ موسم مرَّ عليهم. الأعراس قليلة هذه السنة، ومعظم الزيجات أرجأت إلى أن (تتحسن الأحوال). ولكن متى تتحسن الأحوال، والحرب لا يبدو أن لها نهاية وشيكة؟ البيارات بعضها يخضع للرهونات لبنوك في يافا وتل أبيب. أما من رفضوا التعامل معها فقد جفت أشجارهم لعدم قدرتهم على مواصلة خدمتها. محصول القمح فائض عن الحاجة، فقد كان موسم الأمطار غزيراً سخياً، ولكن الناس لا يأكلون خبزاً فقط. حاجاتهم كثيرة، وبيع ما يزيد عن حاجتهم من القمح يسعف في الحصول عليها، ولكنه أيضاً لا تصريف له، أمام منافسة الطحين الكندي، والقمح الاسترالي المستورد، حتى في داخل البلاد. حتى مواسم الحصاد، التي كانت مواسم الفرح والبركة بدت كئيبة مكفهرة. من له ولد أو رجل يعمل في معسكرات الانكليز، فقد أوتي حظاً عظيماً. ولكن فرص هذا العمل ليست بالكثرة، التي تستوعب كل قادر عليه أو راغب فيه. والانكليز يؤثرون اليهود على العرب للعمل معهم، إلا إذا اقتضت الضرورة. نعم فالانكليز هم الانكليز، وعداؤهم لن يتغير فيتحول إلى صداقة للعرب تحت أي ظرف. اليهود أيضاً ما برحوا يتدفقون على البلاد، والمستعمرات ما أنفكت تقام في أماكن كثيرة، لم يستطع أهل البلاد وقفها رغم ثوراتهم المتعاقبة. وحين لجأوا إلى طلب العون من أشقائهم العرب، وجدوا أن عبد المعين بحاجة لمن يعينه ..! فبلادهم مستعمرة أيضاً، وهم لا يملكون من أمرهم أو أمرها شيئاً. بل إن من حكامها من هو ضالع مع الغرباء، يأتمر بأمرهم عن قصد أو عن جهالة، يقدم لهم خدمات، إما مدفوعة الثمن، في شكل كرسي يجلس عليه، أو تطوعاً واحتساباً لوجه الشيطان وابتغاء مرضاته ..!