تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…شغلنا ذلك النهار جو غريب ساد المعسكر. إنهم يرقصون في الشوارع. أصوات الموسيقىوأغاني غير مفهومة من الراديو وأسطوانات الحاكي. كان ذلك ابتهاجاً للنتائج التي أسفرت عنها معارك (ستالنغراد) وهي هزيمة ساحقة للقوات الألمانية، وخسائر فادحة في صفوفها. فهذا الذي هزم هو الجيش السادس الذي استسلم تسعون ألفاً من جنوده، من بينهم أربعة وعشرون جنرالاً وماريشالاً..ذلك ماتناقلته الأنباء.. الراديو.. الجرائد .فضلاً عن سارة ومن معنا في المكتب.

…وبقدر ما كان هذا مبعث سعادة لهم، كان مصدر تعاسة لنا، نحن العرب في المعسكر. ولأنهم يعرفون هذا، عمدوا إلى مماحكتنا، بل إغاظتنا بتصرفاتهم وتعليقاتهم على ما حدث كقولهم :

…(.. صاحبكم هتلر انتهى.. خلاص.. بكره تشوفوا.. طاوعونا انسوا هتلركم هذا ... لسه بتحبوه ..؟ طيب يا خبيبي خبوه للآخر لما نشوف)..!

…كانت سارة هي الوحيدة التي واصلت تعاملها معي كما كانت في السابق. بل إنها أصبحت تداعبني وتضاحكني أكثر من ذي قبل، فعندما نكون وحدنا تلتصق بي، تميل نحوي قائلة وهي تشير بإصبعها إلى وجنتها :(أمين قبلني هنا)..! وإذ أهم بذلك تباغتني بخطف قبلة بشفتيها، وتطيلها أحياناً أكثر مما أحتمل، لا سيما حين تضمني إليها بقوة، ملصقة صدرها المضطرب صعوداً وهبوطاً بصدري، فيأخذ مني الاضطراب والخوف مبلغاً لا أعرف كيف أداريه. لكنها تبادر إلى القول فيما هي تصحح وضع شعرها وملابسها :

….. ملعون.. صرت ملعون يا أمين ..!

…أما هذا فلم أجرؤ على نقله لأمي. إذ هو نقض صارخ لتعليماتها و وصاياها الصارمة، التي لا تنفك عن تذكيري بها في كل حين :

….. اليهوديات يمَّه.. الكفار الملاعين.. دير بالك منهم.. والبولونيات كمان..!

…" آه لو رأتني مع سارة الآن ولكن ماذا تريدني أن أصنع؟ هل أصفعها ..؟ أهرب منها؟ أعرف أنك لا تقبلين هذه الأعذار.. لكنك لست في مكاني لتعذريني..!"

تجتاحني مشاعر الندم، بل الشعور بالذنب لمخالفتي وصاياها، لكنني سرعان ما أنسى ذلك عند حدوثه في اليوم التالي ..!

روايات · الصفحة ٥٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٢٦