تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…وقع المطر المتساقط فوق سطح القرميد.. أشجار الكينا ترسل حفيفها في الخارج.. صوت الراديو يأتي من بعيد يعلو ويخفت مع تماوج الريح.. العتمة الموحشة هناك، وراء الباب،جمر (الكانون)يخبو شيئاً فشيئاً.. ضوء السراج الواهن يتأرجح، مرسلاً ظلالاً ورسوماً كئيبة، ذات أشكال مختلفة على السقف والجدران.. أدفن راسي تحت الغطاء لأمضي بعيداً في دنيا بلا حدود.. نعيم ... أبو عثمان ... البولونيات ... سارة ... تحب اليهود ... تكره اليهود ..!

- 38 -

…حينما أخبرت والدتي، بعد أيام، بما قالته لي سارة، غضبت وقالت لي :

…- لماذا لم ترد عليها ..؟

…- وبماذا أرد يا والدتي ..؟

…- اسالها كيف تكون هذه أرضها وهي (ما بتحكي عربي..!وهي نفسها من أي داهية إجت).

…- لقد سألتها، ولكنها لم تجب.

…- كان عليك أن تسألها مرة ومرتين وعشر مرات حتى تجيب ..

… صدق من قال (البيت بيت أبونا إجو الغُربْ يحاسبونا)..

…- خشيت أن أغضبها يا أمي ..

…- ولماذا تخشى غضبها ..؟ تخشى اليهود أولاد الميتة ؟.. كله إلا هذا يا أمين ..

…ذهبت إلى المعسكر غداة اليوم التالي، متحفزاً للرد على سارة، لكنها لم تتح لي أية فرصة لذلك. لقد تجاهلت الموضوع تماماً. أخرجت من حقيبتها قطعتي (شوكولاه)، قدمت لي واحدة منها ثم - وكأن ذلك يحدث مصادفة - أخرجت منها كتيباً، قلبت أوراقه هنيهة، قبل أن تناولنيه، لتقول وهي تنحني نحوي، وقد لامست وجهي غدائر شعرها ..(خذ تفرج يا أمين). ثم شرعت تقرأ لي ما هو مكتوب تحت الصور التي احتواها ذلك الكتيب. منها ما هو لشوارع في المستعمرات اليهودية، ومنها صور لمصانع أقمشة، وأخرى لتعليب الأغذية.. مدارس.. تلاميذ في رحلات ... كشَّافة في مخيمات.. فتيات شبه عاريات.. ثم أخيراً لجنود يهود في الفيلق اليهودي المقاتل مع الحلفاء في شمال أفريقيا. وقبل أن تطوي الصفحة الأخيرة.. ضربت بكفها صدري، ولكن برفق قائلة وهي تبتسم :

…- أرأيت لماذا يجب أن تحب اليهود يا أمين ؟.. عندهم أشياء كهذه ليس عندكم مثلها ..يعني عندهم حضارة ..! عارف حضارة ماذا تعني؟ و وجدتني أقول لها :

…- يا آنسة سارة هذه حضارة البلاد التي جئتم منها. وحضارة تلك البلاد أصلها من العرب ..

…- من قال لك هذا الكلام الفارغ ؟

…- أساتذتنا وأهلنا.. والكتب أيضاً ..

روايات · الصفحة ٥٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٢٥