…في هذه اللحظة أقبلت فتاة الصالة، بخطواتها الثابتة الرشيقة، لتطلب إلى سارة بالانكليزية، الذهاب إلى المكتب، بناء على طلب وردها. نهضت سارة على الفور. طلبت إليَّ البقاء حيث أنا ريثما تعود. لبثت في مكاني بعض الوقت أتأمل المكان، وكأني أراه لأول مرة .(ميس الضباط) هذا يرتاده ضباط المعسكر، والنساء البولونيات في الليل. يسهرون ويعربدون من باب الترفيه عن أولئك الضباط. ملحق به ما يسمونه (الكانتين). حيث يجدون فيه ما يرغبون من أطعمة ومشروبات.. وهدايا.. أدوات كتابة، بطاقات معايدة.. وغير ذلك مما لا يحيط به حصر..
وحين طالت غيبة سارة، بادرت للعودة إلى المكتب. وهو ملاصق تماماً للصالة، لا يفصلها عنه سوى طرقة طويلة. وفيما كنت أمر بالنافذة المفتوحة على تلك الطرقة، والتي تجلس فيها (مس ريبا)، سمعت حواراً بينهما بصوت مرتفع، يتسم بالحدة، حينما توقفت قليلاً بعيداً عن النافذة، قبل أن أتابع سيري إلى المكتب. أمسكتا عن الحديث فور دخولي. أدركت أني كنت موضوع حديثهما ذاك، حينما نظرت إليَّ (ريبا)، التي بدا على وجهها التجهم والاستياء. بل لعله الغضب. ثم ما لبثت هذه أن غادرت الغرفة مسرعة، توشك أن تجتاحني بجسدها الفائر وعطرها المثير. أكدت ظنوني نظرات سارة المتفحصة، لكنها سرعان ما ابتسمت، وهي تشير نحو الباب قائلة :
…- مجنونة ريبا هذه ..!
…ثم انصرفت للضرب على الآلة الكاتبة، غير منتظرة تعقيباً مني. " ما معنى هذا؟ ما الحكاية؟ ما شأنهما بي ..؟" .
…إبان العودة حدثت نعيم بشأنهما، لكنه كان مهتماً أكثر بالحديث عن الطبخ، والطهي، والطعام المتاح له تناوله هناك، بحرية مطلقة لا حسيب عليه ولا رقيب.. لحوم، معكرونة، (بولبييف)، معلبات مختلفة الأنواع مما لم يره من قبل.