…بعد قليل، أوقفت الضرب على الآلة الكاتبة. ثم دعتني لمرافقتها إلى مقصف الضباط، الذي كان قد خلا من رواده، كالعادة بعد التاسعة. جاءتنا فتاة (منهن أيضاً) بكوبين كبيرين من الشاي الممزوج بالحليب، وقطعتي كعك. طلبت إليَّ سارة عقب انصراف الفتاة، أن أجلس إلى جوارها. وإذ بدا عليَّ التردد والارتباك، قطَّبت جبينها قليلاً، وهي تكتم ضحكة توشك أن تفلت منها، ثم قالت بلهجة آمرة، مشيرة بيدها إلى المقعد المجاور لها :
…- قلت لك تعال واجلس هنا يا أمين ..
…تناولت مجلة ملونة فتحتها وهي تردف قائلة :
…- تعال انظر إلى هذه الصور ..
…لم يكن في وسعي غير الانصياع لطلبها، فبادرت إلى الجلوس حيث أشارت، تاركاً مسافة بيني وبينها، محاذراً لمس جسدها الذي أصبحت ملاصقاً له في هذا الوضع، إلا أنها قرَّبت كرسيها حتى لامست ساقها العارية عند الركبة ساقي العارية أيضاً، في نفس الموضع، بسبب الشورت الذي كنت أرتديه. شرعت تقلب صفحات المجلة، فيما هي لا تكف عن الحركة، وعن تبديل وضع ساقيها، واحدة فوق الأخرى بالتناوب، وكأن ذلك يحدث عفواً و عن غير قصد. اعترتني أحاسيس غريبة مثيرة، لكن سارة لم تدعني أمضي بعيداً قبل أن تسألني بغتة، وهي لا تفتأ تحدق في المجلة :
…- أتحب اليهود أم تكرههم يا أمين ؟
…فاجأني تماماً سؤالها. أدهشني عدم انتظاري سؤالاً كهذا؟ تلكأت قليلاً قبل أن أجيب :
…- ليس كلهم .
…- كيف.. ماذا تعني بقولك ليس كلهم ..؟
…- لا أكرهك أنت يا مس سارة ...
…- تكره الآخرين إذن ..؟
…- لم أقل ذلك ..! لكن خذي مس ريبا مثلاً ..
…حدقت في وجهي بنظرة ثابتة، لم أعهدها في عينيها من قبل. ثم قالت بعد برهة صمت، خلتها طويلة، بصوت هادئ يراوح بين الرجاء والأمر :
…- لا تكرههم يا أمين لأي سبب. لأنهم بؤساء مساكين. هتلر يُعمل فيهم القتل. وهم يأتون إلى هذه البلاد للنجاة بأرواحهم، هم عائدون إلى أرضهم الموعودة ..!
…حَّيرني قولها "عائدون إلى أرضهم ". وحين استفسرت عن معنى قولها هذا التزمت الصمت .