تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…بدوا ذات يوم على قدر من الابتهاج، لم يسبق أن ظهر عليهم مثله من قبل. بل ذلك كان حال جميع من في المعسكر. كالهتاف وتبادل التهاني والقبلات بين الرجال والنساء .

…ترى ما هو مبعث فرحهم اليوم؟ ما الذي حدث؟ مع نهايات ذلك النهار علمنا أن الألمان يتراجعون، ولأول مرة، على جبهة هامة جداً، هي جبهة العلمين. حيث أن مارشالاً انكليزياً يدعى (برنارد مونتجمري) استطاع اكتساح خطوطهم، وأن يوقع بهم هزيمة منكرة. معنى هذا اندحار جيوش (رومل) القائد الألماني الأسطورة، الذي لم يهزم في معركة قط ،بل هو صاحب الاسم الذي يثير مجرد ذكره الرعب في صفوف القوات البريطانية.. كأن الانكليز أنفسهم لا يصدقون ذلك ..!

…عكس ذلك تماماً كان الحال عندنا نحن العرب. إذ كان ما هو مفرح لهم لا بد أن يكون مصدر تعاسة ونذير شؤم لنا. استقبل العرب هذه الأنباء بالوجوم والتشاؤم، في كل مكان .

- 37 -

…مثلما أثارت إعجابي بزَّات الضباط الانكليز، وما عليها من شارات على الأكتاف والصدور، بهرتني الألوان الزاهية، بل الساحرة على البولونيات. الشعر الذهبي المرسل.. حمرة الوجوه والشفاه.. بياض البشرة. البزات الكاكي العسكرية والقبعة المائلة على الرأس، ينساب الشعر الحريري على الظهر والكتفين، يطيَّره الهواء، فيلامس الجيد ويستقر أو يتريث على الصدر ..

…سارة منشرحة الصدر في هذا الصباح. مع خطواتها يتضوع شذى عطر ساحر حين تدلف إلى المكتب. لعلها الوحيدة، التي تملك ذلك الشعر الفاحم، ترسله على كتفيها، بين الشقراوات. القميص الأبيض نافر عند أعلى صدرها أكثر مما كان يبدو في الأيام الماضية. سلسلة ذهبية تتدلى من جيدها، ثم يختفي طرفها داخله.. (التنورة) السوداء الضيقة جداً على قوامها فترغمها على تضييق خطواتها، يصاحبها إيقاع دقات كعب حذائها على أرض المكتب. أختلس النظر إليها بحذر خشية أن تمسك بي متلبساً. لكنها سرعان ما تحس ذلك. خطت نحوي، وهي تثبت نظرتها إلى عيني. أطرقت سريعاً.. قرصت خدي وهي تضحك بصوت مرتفع قائلة بالعربية :

…..(كل مالك بتصير ملعون يا أمين ..!)

روايات · الصفحة ٥٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٢١