تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…مس ريبا - كما كانوا ينادونها - كانت الأجمل بين العاملات في مكتب إدارة المعسكر هذا. بيضاء، ذات شعر ذهبي، وعينين زرقاويين واسعتين تثيران في المرء أي شيء عدا الاطمئنان إلى صاحبتهما. يزيد بياضها نصاعة تلك الثياب السوداء، التي ترتديها في أكثر الأحيان. معتدة بنفسها، ومتعالية في مسلكها، حتى على أقرانها. أما أنا فهي بالكاد تنظر إليّ. بل إنها حين تناولني مظروفاً لأنقله إلى الغرفة المجاورة، تظل مطرقة تنظر في أوراق أمامها، متعمدة ألا تعيرني التفاتاً. أما (مس سارة) فسمراء شرقية الملامح، ذات عينين شديدتي السواد، كشعرها الأسود الفاحم. ممتلئة أكثر من زميلتها (ريبا) البادية النحول. سارة هذه تتعامل برقة أكثر. وحين لم يكن لديّ عمل هنا أو هناك، لدقائق أو لساعة من الوقت أجلس في غرفتها. يحلو لي عندئذ، أكثر من أي شيء آخر أن ارقب أناملها الرشيقة وهي تعزف على الآلة الكاتبة. أعجب كيف يمكنها أن تقعل ذلك بتلك السرعة الفائقة، وحتى دون أن تنظر إلى الآلة نفسها. حاولت، ذات مرة، أن أختلس طباعة كلمات على تلك الآلة، عندما خرجت لشأن ما. وحينما تعرقلت حركة الآلة عالجتها مضطرباً، أحرك مفتاحاً، أضغط زراً، في محاولة لأعادتها، سيرتها الأولى، فكسرت شيئاً ما فيها. أصابني الذعر، وتوقعت أسوأ ما يمكن أن يحدث.. وقفي عن العمل. عندما عادت (مس سارة) أدركت على الفور ما حدث فور لمسها الآلة بيدها. حدقت في وجهي بإمعان. لم أفهم معنى نظرتها المحايدة التي رمقتني بها، ولكني أيقنت أنها سوف ترفع الأمر برمته إلى أحد (مسترين) سميث أو فوكس. بيد أنها فاجأتني بابتسامة أعقبتها قولها، وهي تضم ذراعيها إلى صدرها الناهض :

…ماذا فعلت يا ملعون ...؟

…لم أصدق ما سمعت. فرحت كثيراً.. لن يعلم بذلك إذن (المستر) فوكس على وجه التحديد. ولن أفصل من العمل أيضاً ...!(ياما انت كريم يا رب) ..!

…المستر فوكس والعدد الآخر من الموظفين المدنيين كانوا يهوداً. يجلس بعضهم أحياناً في الردهة أمام المبنى في فترة الاستراحة، وحدهم أو بصحبة الانكليز في أكثر الأحيان. يصل إليّ بعض حديثهم عن كثب، حتى لو لم أتعمد سماعه. أفهم بعضه، ولا أفقه بعضه الآخر. ولكني أحاول الربط حينئذ، بين ما أدركه وما لا أدركه من ذلك الحديث لعلِّي أعرف عمَّ يتحدثون، ولاسيما حين يذكرون (العرب)، حيث ألمح العداء في وجوههم واضحاً جلياً .

روايات · الصفحة ٥٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٢٠