تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…- انصرفوا وافعلوا ما قلت لكم وإلا فلا عمل لكم هنا .

…كان بديناً، منتفخ الأوداج، ممتقع الوجه، حتى ليبدو كصفيحة نحاس قديمة، ما إن تنظر إليه حتى تبغضه على الفور. الحراس الانكليز بقبعاتهم قرمزية اللون، وبدلات الخاكي، وشارات لامعة لا ندري ما هي، على الأكتاف والصدور ومقدمة القبعة. كان منظرهم مهيباً، باعثاً على الرهبة، حين تذكرت دورياتهم التي كانت تداهم القرية فيما مضى، وضابط المحطة الشهير بجرائمه وقسوته.. إنهم هم أنفسهم ..!

…غداة اليوم التالي، منذ لاحت تباشير الفجر، شرعنا نغذ السير متوجهين إلى مدينة الرملة، من أجل الحصول على الهوية. (الباص) المغادر للقرية لا يتحرك قبل أن يجتمع له العدد الكافي من الركاب لشغل مقاعده. من ثم كان علينا، لكي نضمن الوصول إليها أثناء الدوام، أن نقصدها سيراً على الأقدام.

سبعة كنا، من بينهم نعيم أبو جلاله وسليمان أبو سليمان، وكنت أصغرهم. نمضي عبرالحقول والبيارات إلى وادي حنين أولاً، ثم نتجه شرقاً إلى الرملة. تصافح وجوهنا نسمات الصباح الندية. تحط العصافير على الأشجار رفوفاً، ثم تطير حين تحس اقترابنا منها. بلغ مني الأعياء مبلغاً، إلا أني لم أفصح عن ذلك تحاشياً لسخرية تصدر عن أحدهم. أتحرق شوقاً للحصول على الهوية، ومن ثم على عمل في معسكر قطرة. العمل في معسكرات الانكليز جيد وممتع، كما يقول العاملون فيها، فضلاً عن الأجر المغري. ثم إن هذا العمل - هكذا حدثت نفسي - خير على أية حال، من حمل سلال البرتقال في موسمه الوشيك، وجدّ الزيتون، وسقي البيارات، أو تعبيد الطرقات مع المتعهد (عبد الله أبو غوش). عملت مع هذا الأخير يومين اثنين، لم أستطع أن أضيف إليهما ثالثاً. كان العمل يبدأ مع شروق الشمس ولا ينتهي إلا مع غروبها. وهو إما تكسير الحجارة تحت وهجها اللافح، وإما نقلها بالقفة إلى المختصين برصفها توطئة لرشها بطبقة من القار الساخن ذات الرائحة النفاذه المثيرة مع بخارها المتصاعد.

روايات · الصفحة ٥١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥١٧