…بتنا نتحين الفرص، بعد ذلك، بل نختلقها اختلاقاً كي نبقى وحدنا، إلى أن أحست خديجة بما يجري. لكن هذا حدث في اليومين الأخيرين، حين كنا نزمع العودة إلى يبنانا الحبيبة. انتابتني مشاعر متباينة، تراوح بين الرغبة في أن تطول مدة بقائنا هنا، وبين الحنين إلى الوالدة التي أغيب عنها، لأول مرة، كل هذا الوقت. بدت الأشجار أكثر دفئاً ومودة في الأيام الأخيرة.. ورائحة الأرض المبللة بالندى شهية محببة، تشيع في صدري وجداً وحنيناً.. وعصافير الدوري التي تحط على الأشجار، أو تهبط إلى الأرض تلتقط الحب، ثم تطير محلقة في الفضاء الواسع.. ونسمات الخريف الباردة تنبئ بشتاء قريب. أود لو أعانق الأشجار والعصافير في الكروم، والياسمين على الجدران، وخضرة الأرض وزرقة السماء، وقطرات الندى المتلألئة.. عزيزة وخديجة.. وحتى عم عبد الغني ..!
…في أرجاء حقول الرملة.. على مشارفها، وفي طرقاتها، يضطرب مهرجان قطاف الزيتون بعنفوانه المثير، وصخبه البديع. غصت الطرقات والحقول بزرافات من العاملين، رجالاً ونساءً، غلماناً وفتيات، يحملون سلالهم وعصيهم وزوّادات طعامهم.. أشواقهم وأهازيجهم، بملابسهم المتباينة في أشكالها وألوانها. كما اكتظت بقوافل العربات والدواب، التي ناءت بأحمالها وأثقالها. وجهتها معاصر الزيتون. تعالى الغبار المنبعث من وفرة الزحام والحركة، محمَّلاً برائحة الزيت والزيتون، وقد اختلطت بروائح عرق الدواب وروثها. بدت المدينة عن كثب بقبابها ومآذنها ودورها البيضاء. عرس للطبيعة والبشر، في خضم حياة موَّارة، جمعت ذلك المزيج المتآلف مابين عناصر الطبيعة والانسان، والحيوان جميعاً. آثار كل أولئك في نفسي أحاسيس مفعمة بالحنين والشجن ..
…أهمس في ضراعة :
- يا عم عبد الغني متى نعود ؟
…تنظر الفتيات الثلاث إليَّ. لعلهن أدركن مابي.. يربت العم عبد الغني على كتفي، مبتسماً، وكأنما هو الآخر قد أحس مايضطرب بين جوانحي ويقول :
- غداً أو بعد غد ياولدي
آه.. لكأن دهراً ينقضي قبل أن نعود .
- 36 -
…قيل لنا عند بوابة المعسكر بأن على من لا يحمل (هوية) شخصية أن يحصل عليها أولاً، وقبل التقدم لطلب عمل. سأل واحد من بين الواقفين عما إذا كان ممكنا النظر في شأن الهوية بعد معرفة النتائج، فمن أسعده الحظ ويمن الطالع بالقبول التزم يإحضارها. رفض الرجل القابع في الغرفة الصغيرة عند البوابة، التي كانت سيارات الجيش تعبرها بين لحظة وأخرى. قال الرجل متأففاً: