تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان عملاً شاقاً مرهقاً. بيد أن رفقة الأولاد والبنات، وتبادل الدعابة، والأغاني والأهازيج والمواويل.. كل ذلك كان قميناً بأن يجعل الأمر هيناً، بل مشوِّقاً أيضاً. نقضي العصر والأمسيات معاً في تلك الدار الصغيرة. أمكث وحدي مع الفتيات حين يمضي عم عبد الغني إلى مقهى قريب، أو إلى السوق كي يبتاع لنا خبزاً وجبناً، وربما شيئاً من الفول وأقراص الفلافل. عزيزة أكثر الفتيات مشاكسة، تتعمد استفزازي وإثارتي. هي حيناً تخطف كسرة خبز، أو قرصاً من الفلافل في يدي، محاذرة أن يلمحها العم، غير آبهة باحتجاجي، فيما بعد، حين لا يكون الرجل معنا. وفيما آخذ الأمر على محمل الجد، تنفجر ضاحكة تشاركها رفيقتاها الضحك، فضلاً عن تعليقات لاذعة. اختطفت من يدي ذات مرة - وكنا وحدنا ساعتئذ - منديلاً اشتريته كي أقدمه هدية لمريم عند عودتي المظفرة. حدث ذلك حين عرضته عليها مباهياً ولأخذ رأيها عما إذا كان هدية لائقة ..! دسَّت المنديل في صدرها، وهي تعلن أنها سوف تأخذه لنفسها، فهي أولى به من مريم هذه. وأن عليَّ (إن كنت شاطراً) أن أجرؤ علىإخراجه من مخبئه ..!

…ثرت واضطربت.. كيف لي أن أمد يدي إلى صدرها؟ وماذا ستفعل هي عندئذ لو أني أقدمت على ذلك؟ ربما تصرخ.. تشتم.. من يدري ..؟ كلا لن أسترجع المنديل من هذا المخبأ الحصين المحفوف بالمخاطر ..! ولما رأت (خيبتي) هكذا بدا عليها، أمسكت بيدي لتدفع بها إلى حيث خبأت المنديل. أحسست بقشعريرة غريبة، إذ وجدتها - يدي - تلامس لحماً طرياً ساخناً. اقتربت مني حتى لامست وجهي خصلات شعرها، ولفحته أنفاسها اللاهثة. اقتربت أكثر حتى لامس خدها صفحة وجهي، وأحسست بدفء جسدها حين التصقت بي. تراجعت فجأة مبتعداً عنها، فأجفلت إذ كانت مسبلة العينين .

…كان ذلك مخيفاً.. ورائعاً أيضاً. عدوت نحو باب الدار، مبهور الأنفاس، مأخوذاً مرتبكاً، لكني لم ألبث أن عدت.. اقتربت منها.. مددت يدي نحو صدرها لاستخراج المنديل من مخبئه.. لكنها هي التي ابتعدت الآن، وهي ترسل ضحكة متحدية، وتلوح بسباتها في شقاوة قائلة :

….. لا لا يا شاطر ..! كنت من الأول ..!

روايات · الصفحة ٥١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥١٥