تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…لم يسفر التحقيق، كما لم تكشف التحريات، في نهاية الأمر عن شيء. غير أن الشائعات ما برحت تحوم حول المختار، الذي أبدى عدم اكتراثه بما يتقولون عنه، مؤكداً للمستريبين في أمره بأن أعداءه من أيام الثورة، هم الذين يعملون على الكيد له والأيقاع به. كما أنه نسب شيئاً من هذا القبيل إلى منافسيه على منصب (المخترة) الذي فاز به من دونهم ..!

…مضى زمن هدأت فيه الضجة القائمة حول مقتل المعلمة. انصرف الناس إلى قضاياهم وأعمالهم. وعادت من جديد مشكلة البحث عن عمل. تلك المشكلة التي أقضَّت مضجع والدتي. ولكن العم عبد الغني رأى أن يسدي لها معروفاً، فطلب إليها أن ترسلني معه للعمل في قطاف الزيتون في الرملة، لأسبوعين أو نحوهما. وإزاء تأكيده بأنه سوف (يضعني في عينيه). وبدافع من الضرورة الملحة، لم تجد مناصاً من الموافقة .

…اتخذ لنا العم عبد الغني سكناً قريباً من الجامع في مدينة الرملة. غرفة كبيرة أمامها باحة فسيحة، تسلقت أشجار الياسمين على جدرانها العالية. نمنا جميعاً في تلك الغرفة. أنا وعم عبد الغني قريباً من بابها، وابنتا أخيه (عزيزة وآمنة) ورفيقتهما (خديجة) في صدرها. عند الفجر، في يومنا الأول مضيت والعم إلى الجامع المجاور. كان النوم لما يزل مسيطراً طاغياً. لم أكن راغباً في الذهاب في مثل هذا الوقت المبكر. وددت لو أني أعود ثانية إلى النوم. لكن الرجل نبهني إلى النداء الذي كان يعلن ساعتئذ : (الصلاة خير من النوم). توضأنا من حنفيات الماء المنبثة حول بركة تتوسط صحن الجامع. عدد غير قليل من الناس يفعلون الشيء ذاته. ازدهى المكان حياة وصحواً وضياء، رغم أن الظلام ما برح يغشى أرجاء الكون.

…كنَّ في انتظار عودتنا عقب صلاة الفجر، وقد ارتدين ثيابهن و وقفن متأهبات للانطلاق مع عم عبد الغني إلى حقل لا يبعد كثيراً عن أطراف المدينة، حيث التقينا هناك أعداداً من العمال والعاملات، وفدوا من قرى مجاورة. كان عليَّ بوصفي (ولداً نحيلاً وخفيفاً) أن أصعد إلى أعالي أشجار الزيتون المعمرة، لكي أُسقط عن قممها ثمارها. من أجل ذلك زودني الرجل بعصا طويلة، أجدُّ بها الأغصان والثمار، ليقوم الآخرون ممن تحت الأشجار بجمعها في سلال يحملونها.

روايات · الصفحة ٥١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥١٤