…سرعان ما اندفعت الأيدي إلى القصاع. وانهمك الجمع في التهام الطعام، في صمت مطبق إلا من همهمة هنا ونحنحة هناك. وبسرعة أيضاً انفض القوم عن القصاع. فكان علينا أن نكف عنها بدورنا، حتى قبل أن نتناول كفايتنا. رفعت (البواطي) دون أن ينقص منها الكثير، ونحن ننظر إليها بأسف. أبو مصباح يعود إلى تقديم القهوة، ببشاشته المعهودة، حين يشرع الرجال في أحاديثهم وحكاياهم التي يبدو أنها لا تنتهي. نتمنى إذن لو نترك وشأننا، فنغادر جو القاعة هذا غير المريح، لصرامته ووقاره. إلا أننا لم نجرؤ على الافصاح عن رغبتنا، ناهيك عن تنفيذها.
زاد الجو اكفهراراً حينما تطرق الحديث إلى الانكليز وتواطؤهم مع اليهود. وعد بلفور المشؤم.. هربرت صموئيل، ذلك اليهودي الذي نصَّبوه مندوباً سامياً على فلسطين أول عهد الانتداب، موكلين إليه أمر تهيئة الظروف الملائمة للهجرةاليهودية، وإقامة المستعمرات على الأرض الأميرية لكي تستوعب مهاجريهم هؤلاء. إضافة إلى صنع كل ما من شأنه أن يمكنهم من إقامة وطن قومي لهم. لجنة(المستردل).. الكتاب الأبيض.. أحكام الإعدام الجائرة وشهداء الخليل وغيرها. جمجوم والزير وحجازي الذين أعدمهم الانكليز.. ثم عن ثورة البراق التي انطلقت من الخليل والقدس.. عن دور الشيخ عز الدين القسام الريادي فيها، وفيما تلاها من ثورات، كانت أعتاها قوة وأطولها زمناً ثورة عام 1936 التي مهد لقيامها غداة استشهاده في أحراش يعبد. الأمر الذي زاد لهيب الثورة ضراماً، لا سيما وأنه قد جاء في أعقاب مواقف احتجاجية ضعيفة، كالمذكرات والعرائض، والمؤتمرات وتأليف اللجان، والوفود إلى المندوب السامي في القدس، أو إلى الحكومة البريطانية في لندن. هم يشكون ما يقع عليهم من مظالم لمن أوقع فيهم تلك المظالم نفسه ..! يقابل ذلك كله، من جانب الانكليز، وعود لا تتحقق ابداً. أتباع القسام، وتلاميذه ومؤيدوه، حملوا لواء الثورة، التي امتدت من بعده في الزمان والمكان، فشملت أرجاء فلسطين بأسرها حتى عام 1939.. أثنوا على الرجل الذي حمل روحه على كفِّه، قادماً إليهم من بلدة جبلة على الساحل السوري، إيماناً منه بوحدة الأرض والأمة و الدين، ويقينه بجدوى الجهاد في سبيل الله والوطن، فإما نصر وإما شهادة. لم يؤمن الرجل بالحلول الوسط، ولا بالوعود والعهود الخلابة الكاذبة، فالحرية تؤخذ عنوة ولا تمنح مجاناً لأحد.