تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…الفتيات الصغيرات التففن حولنا فرحات مندهشات، يتفرسن في وجوهنا وأجسامنا، كما لو كنا قد هبطنا للتو من كوكب آخر. بقينا وحدنا معهن، حين عادت النساء للانهماك فيما كن فيه من عمل لإعداد الطعام. بخار كثيف يتصاعد في أجواء الدار.. رائحة السمن واللحم، كما رائحة البصل والثوم واللبن تعبق في المكان. خليط من هذا كله يثير الشهية، لا سيما وقد حلَّ موعد الغداء. باحة الدار ذات الرخام الملون الجميل، الجدران السامقة التي شيدت من الحجارة الداكنة، توسطت الباحة بركة واسعة، تكتنفها شجيرت الورد الجوري. تظلل البركة أغصان شجرة توت معمرة، فتضفي على المكان سحراً غريباً. الفتيات يعاملننا كما لو كنا ألعاباً طريفة قدمت إليهن ..!

…في المضافة عند العصر حيث عدنا إليها كارهين، نتساءل من أين أتى كل هؤلاء الرجال؟ امتلأت بهم المضافة. لكنهم يخلدون إلى الصمت مصغين إلى المتحدث من بينهم. إلى أن قطع الصمت والحديث معاً الأذان لصلاة العصر يتناهى إلى المكان، فيبعث في النفس الخشوع. هبَّ الرجال وقوفاً للصلاة جماعة، يؤمهم الشيخ البكري. أنا وفوزي أيضاً يجب أن نصلي معهم. قبيل التسليم لكزني فوزي بمرفقه، فكتمنا ضحكاً أوشك أن ينفجر. سرت تمتمات الرجال بالدعاء، فيما يصافح واحدهم الآخر، بعد مصافحة الشيخ البكري أولاً. ثم ساد الصمت قليلاً إلى أن يتخذ كل منهم مجلسه، مسنداً ظهره إلى الجدار الذي صفَّت على امتداده الوسائد. ولكن متى يؤتى بالغداء؟ وماذا ينتظر القوم ؟

…الجو مهيب، حتى أن غير قليل من الرهبة تسلل إلى نفسي. وكذلك ابن خالتي فوزي. لا نملك أن نتكلم أو أن نغادر المكان. لا بد أن أمي قلقة الآن كعادتها عند غياب أيٍّ منا.. لسوف أحدث سعيداً بهذا كله. كذلك نعيم والآخرين.. لسوف أعمل على إثارة حفيظتهم، هذه المرة ..! ها هم أخيراً يأتون بالطعام الذي لا بد أنه أمسى عشاءً أيضاً، فالشمس قد غربت لتوها .(بواطي) الأرز واللحم ورائحة السمن تطغى. تستقر (البواطي) أمام الجلوس .لا تمتد إليها الأيدي قبل أن يهم الشيخ البكري بذلك وهو يقول :

…- تفضلوا على ما قسم الله يا جماعة. بسم الله الرحمن الرحيم .

روايات · الصفحة ٥٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٠٥