تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…اعتراها الغم والضيق حين أغلقت باب دارها. الصمت مطبق، والظلمة الفاحمة في باحة الدار. نقيق الضفادع في الأودية القريبة يتناهى إليها حزيناً موحشاً. الديدان المضيئة تبرق عبر الظلمة، تتقافز أمامها ومن حولها، حفيف أوراق شجرة التين في الحاكورة بجوار الكهف (الكفري) المهجور. أسرعت الخطا، ومن أمامها علياء وأحمد يتعثران فيلوذان بها، ويمسكان بثوبها. تنفست الصعداء حين أقفلت باب الغرفة. ضوء السراج شاحب، ولكنه على أية حال خير من العتمة المخيفة هناك. حاولت دفع ولديها للنوم. لكنهما أصرَّا على ألاَّ يناما قبل تناول العشاء. جاءتهما برغيف الطابون، وقطعتي جبن مما جاءت به أم مريم صباح ذلك النهار. إبريق الشاي يوحي بشيء من الطمأنينة حين يتعالى بخاره المعطر بالميرمية. تقدم لهما الشاي تصحبه دفقة حنان من قلبها المثخن بالجراح والشجن .

…الليل طويل طويل.. يزداد طولاً وعمقاً كما لو كان ينبئ بأنه سرمدي ... " وأين أنت يا أمين..؟ يا رب.. يا من سترت ما مضى.. استر ما بقى .."

…- 32 -

…

أمضينا ليلتنا الأولى في دار البكري. تجمَّع الرجال في القاعة الواسعة الأرجاء، ذات الأقواس والأعمدة العالية. مضافة آل البكري، حيث جلس الرجال على فرش مدَّت فوق بسط ذات ألوان زاهية، ورسوم جميلة، و مساند عديدة وضعت بين واحدهم والآخر كي يتكئ عليها. لذت وفوزي بالصمت، فيما انخرط الرجال في أحاديث شتى. يصب أحدهم القهوة في فناجين بيضاء، ذات زخارف ملونة، يطوف عليهم بها من حين لآخر. يقطعون حديثهم في كل مرة، لكي يثيروا جلبة حول من يسبق من في الأولوية لتقدم له القهوة. فيما يهتف الشيخ البكري بين وقت وآخر : قهوة يا (ابو مصباح).. قهوة للرجال. يستأنف الرجل البدين ذو اللحية الكثة البيضاء (ابو ماجد) حديثه الذي انقطع بقوله :

…- الحلال هذه السنة قليل يا جماعة لقلة الخير .

…يرد رجل يدعى (ابو فيصل) :

…- أي والله كانت الأمطار شحيحة هذا العام على غير المعتاد .

…شيخ نحيل وقور (الشيخ رجب الناظر) يقول بصوت عميق هادئ:

…- هذا نصيبنا أيها الناس.. والأمر بيده سبحانه من قبل ومن بعد .

…يؤمن على قوله (أبو ماجد) بالقول :

…- نعم نعم.. وما أصدقه من قائل يا شيخ رجب (وفي السماء رزقكم وما توعدون..) اللهم عافنا واعف عنا .

روايات · الصفحة ٥٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٠٣