…انضمت إلى الجارات، في تلك الأمسية، على مصطبة الحاجة الكبيرة. أم مريم وابنتها، الحاجة خضرة، حفيظة زوجة محمد الشريف. (هذا الرجل ليس ككل الرجال.. لا يقصِّر في شيء من أجلها.. لو طلبت (لبن العصفور) لجاءها به).. الانكليز يتراجعون، يتقدمون.. الألمان بخترعون، يصنعون.. اليهود يفرُّون، يهاجرون.. الزرع.. الحصاد.. البرتقال.. الأعراس.. الغلاء المخيف.. البيارات التي جفت أشجارها. تحدثن في هذه الشؤون جميعاً. أما هي فكان همها أمين عند عودته بالسلامة مع خالته نعمة.. هل يذهب إلى مدارس القدس، أم مدارس يافا، أسوة باسماعيل (ابن العطار) وسعيد (ابن الجمل) ..؟هذه المسألة التي تؤرقها دائماً ولا تغيب عن بالها إلا لماماً ..
…- لا هذه و لا تلك يا عائشة.. يبحث له عن عمل يساعدك على ما أنت فيه؟
…- لكنه صغير يا حاجة.. أي عمل يمكنه أن يقوم به المسكين ؟
…- أي عمل والسلام.. يقولون أن الانكليز يريدون عمالاً في المعسكرات. وإذا لم يكن هذا، فلماذا لا يعمل في بيارات البرتقال أو في كروم الزيتون؟ أي شيء أحسن من لا شيء يا حبيبتي ..! (المثل بيقول العب في المقصقص حتى يجيك الطيار)
…الجن.. العفاريت.. يقولون أن جنياً تلبَّس بنت (ابو عيشة). الحق على أمها التي دلقت الماء المغلي على رأسها في الحمَّام، دون أن تسمي بالله. أخذوها للشيخ (عبد الجبار). كسَّر على جسد المسكينة حزمة عصي خيزران. لم يستطع الرجل إخراج الجني اللعين. يقولون أن بين الجان من هو مسلم ومن هو كافر.. يظهر أن هذا من النوع الثاني ..! نعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..!
…(النوَّر) كان لهم نصيب في أحاديث (المصطبة). نصب النوَّر خيامهم في البستان المقابل لدكان أبو العبد الرملاوي، وفي الحواكير (شباب البلد كل يوم عندهم. هذا ماكان ينقصنا ..! راقصات ومغنيات.. والرجال يسهرون عندهم حتى الفجر. بينهم واحدة اسمها صابرين. لها سن ذهب تسحرهم لما تضحك لهم.. وخدوا دلع نوريات ..! الله لا يكسبهم بكره يخربوا لنا الاولاد..! قال أبو (صالح الجمال) وضع لها النقوط في صدرها عشرة جنيهات ..! وأشعل لها سيجارة بخمسة جنيهات ..! شوفوا بالله عليكم. الله لا يبارك له الثاني. الناس يا دوب تلاقي الخبز وهو يحرق المصاري يشعل سيجارة لواحدة نورية ... لا حول و لا قوة إلا بالله.. أذَّن العشاء يا لله يا صبايا ..!)