…تذكرت أمي وإخوتي. حبذا لو كانوا معنا الآن. بل تمنيت لو كان أبي حياً، لقمنا إذن معه بهذه الرحلة، بدلاً من هذا (الهندي) زوج خالتي نعمة ...!
…لسوف أحدثهم عن هذا كله. نعيم وسليمان واسماعيل سوف يحسدونني بلا ريب ..! سأروي حكاية رحلتنا هذه لمريم قبل هؤلاء جميعاً.. أما أنت يا مي.. آه يا مي.. أين أنت الآن أيتها الغالية ..؟
…- 31 -
…الليل طويل طويل.. قلقة حيرى من أجله. تتساءل مرة أخرى. ولقد أعيتها التساؤلات : (أين أنت الآن يا أمين.. ماذا دهاني كي أرسله معها .؟ حسبي الله عليك يا نعمة.. ترى أين هم الآن؟هل يبيتون في يافا عند أم زكي العبسي؟ أم تراهم واصلوا سفرهم إلى الخليل؟ كيف أمضوا نهارهم؟ أكلوا .؟ شربوا ..؟)
…على ذبالة السراج المتأرجحة بدت علياء وأحمد منكمشين تحت اللحاف، كقطتين وديعتين، تثيران الشفقة. سعيد تمدد لصق الجدار ..(هذا الولد قلبه طيب.. يحب إخوته.. يخاف عليهم من نسمة الهواء.. لكنه.. آه يا رب..)
…تأتي أوقات تحسب فيها أنها نسيت سليم. لكنها في مثل هذه الأوقات العصيبة تجده أمامها، يؤنس وحشتها.. يحفزها على الصبر.. يشد من أزرها في حمل العبء الذي ألقته على عاتقها رصاصة الانكليزي القادم من وراء البحار. لو لم يقدم على فعلته تلك يومئذ، لتغيرت مسيرة حياتهم. من المؤكد أنها كانت تسير الآن في اتجاه آخر. لم يقتل سليم طوال سنوات الثورة، حين كان يحمل البندقية، ويتسلل في جنح الليل مع رفاقه، لمهاجمة المستعمرات اليهودية إثر اعتداءات هؤلاء على العرب. في تلك الأيام التي كانت تملؤها خوفاً ورعباً كان يعود سالماً في كل مرة.. ثم يمضي الآن هكذا في طرفة عين؟ وفي ظرف عادي تماماً لا يتوقع أحد أن يصاب فيه بسوء ..؟