اعتراني شيء من الحزن إذ نغادر يافا هكذا سريعاً، قبل أن نرى منها إلا ذلك القليل. لكن زوج خالتي يتصرف دونما اكتراث لمشاعرنا. بل هو لم يلحظها أصلاً. وعلينا جميعاً أن نذعن لمشيئته. حتى خالتي التي كانت ذات سلطان في منزلها، بدت الآن وادعة مستكينة. لكنه مضى يحدثنا عما نرى، تعويضاً عما فاتنا. هذا معسكر صرفند للجيش البريطاني. هذه كروم زيتون الرملة. تلك مئذنة الجامع الأبيض في الرملة تبدو من بعيد. هنا يقام في شهر نيسان من كل عام موسم النبي صالح، يؤمه أهل المدن والقرى، فتنعقد حلقات الذكر، وتمشي في الشوارع مواكب الطرق الصوفية، بأعلامها وطبولها. كما تقام الولائم والأفراح، وتمتلئ المنطقة بباعة الأطعمة والحلويات الملونة والمرطبات، من يافا والرملة. كذلك تكثر المعروضات من الألعاب والهدايا المصنوعة يدوياً في البلاد، والملابس الملونة، ولاسيما للصغار، تلوِّن البسطات والأرصفة. تذكرت هذا الذي رأيته هنا منذ سنتين حين قدمت إلى موسم النبي صالح، بصحبة أخي سعيد ورفاق له. مضى أبو صبحي يحكي لنا أيضاً قصة ناقة النبي صالح المشهورة، والقوم الذين عقروها، فحلَّ عليهم غضب الله وعقابه. هذه معصرة زيتون في هذا المبنى الأثري القديم. حتى حجارة المبنى العتيقة بدت مشبعة بالزيت. وهذا مصنع حلاوة النبي صالح .
…بدت لنا شوارع الرملة أقل إزدحاماً بالناس من شقيقتها يافا. المباني والدكاكين والبيوت بني الكثير منها بالحجارة وبعضها باللبن. تنتشر الأقواس الشرقية في معظم مبانيها. والنوافذ الخشبية المزخرفة برسوم جميلة. مآذن وقباب كثيرة. الرجال يرتدون (القمباز) والطربوش وشملة عريضة تحيط خصورهم، تتدلى منها سلسلة ساعة الجيب. النساء محجبات بالملاية السوداء والمنديل على الوجه. معظم المناديل في يافا شفافة يرى ما وراءها، أما هنا فهي كثيفة تخفي الوجه تماماً ..!
…توقفت السيارة في ساحة واسعة، تجمع فيها خلق كثير، صعد إليها ركاب يحملون سلالاً وضعوها عند أرجلهم في حرص واضح. ثم لم تلبث أن تحركت عبر سوق قامت على جانبيه حوانيت كثيرة، على واجهاتها أسماء أصحابها التي رحنا نتسابق على قراءتها أنا وفوزي : الحاج مصطفى الخيري.. الحاج ربحي الغصين.. الفاروقي.. التاجي.. المفتى.. الحاج أحمد ابو لبن ..