تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…تزيد السيارة من سرعتها : ويعلو هدير محركها. يشرع الطريق في الصعود شيئاً فشيئاً. لدى ابتعادنا عن الرملة، تحف به البيارات والكروم، التي انتشرت بينها الدور والأكواخ، على مرمى البصر. فلاحون وعمال يسوقون الدواب وقطعان الماشية. وحين غدونا على علو شاهق بين الجبال، على الطريق المتعرج كالأفعى حول سفوحها بدت الأودية من علٍ خلابة ساحرة، تترامى ظلالها هنا، أو تومض في ضوء الشمس هناك. من آن لآخر يعرِّفنا سائق الحافلة بما يعرف عن هذه المناطق وأسماء القرى والكفور. وحيناً يتحدث الركاب أنفسهم متطوعين بالحديث عما يعرفونه من هذه المناطق، إلى أن لاحت لنا مبانٍ متفرقة، لم تلبث أن تكاثرت شيئاً فشيئاً. في البعيد عقب رحلة أنهكت قوانا فيها اهتزازات الحافلة وتعرجات الطريق، ظهرت قبة الصخرة، تسطع تحت ضوء الشمس، ومآذن الأقصى، وأبراج الكنائس. حنين غامض لشيء لا أعرف كنهه، يثيره مرأى الأسوار الضخمة، بحجارتها العتيقة عند باب العمود. والباعة يملأون الساحة، ينادون على بضاعتهم (ملبن.. زيت.. زعتر.. زبيب.. قطين..) يعرض معظمهم صوراً ولوحات للأقصى، وقبة الصخرة، والأسوار وشتى الأماكن التاريخية. سبحات وأيقونات، وكتب قديمة أوراقها صفراء، مشغولات من الصدف والمخمل. للمكان نكهةٌ خاصة آسرة، تغمر الروح وتسمو بالنفس إلى آفاق كونية عليا لا حدود لها.

…حين خيِّرنا من قبل السائق بين البقاء في القدس أو متابعة سفرنا إلى خليل الرحمن، غاظني مرة أخرى ذلك (الهندي) زوج خالتي نعمة، بإصراره على مواصلة السفر دونما ريث. قلت لفوزي :

…- لماذا يستعجل سفرنا عمنا الهندي ؟

…- لأنه جاء من قبل إلى هذه الأماكن .

…منادٍ يحث الراغبين بالسفر على اللحاق بالحافلة المنطلقة للتو :

الخليل.. ناقص ثلاته ركاب.. الخليل.. بيت لحم.

وإذ يلمحنا عن بعد، يواصل النداء ولكن بصوت أكثر ارتفاعاً :

الخليل يا مستعجل.. أربعة ركاب. ناقص أربعة.

العبارة الأخيرة بدت وكأنها موجهة إلينا. استجاب زوج خالتي للنداء على الفور، فهرع باتجاه الرجل، فيما هو يحثنا على اللحاق به، إلى الطرف الآخر من الساحة، وهو يحمل حقيبة كبيرة، فيما تحمل خالتي (بقجة) أكبر من اللتين حملناهما أنا وفوزي. أمسينا داخل (الباص). ولكن هذا لبث طويلاً قبل أن يتحرك، إثر إلحاح الركاب، وبعد أن يئس المنادي من العثور على عشرة آخرين أيضاً ..!

روايات · الصفحة ٤٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٩٩