…في ظل جدار سامق، عند الطرف القصي من باحة المكان، اكتظت بعدد من الحافلات، جلس عدد من الرجال ذوي الطرابيش الحمراء القانية. بينهم من ارتدى (قمبازاً)، ومن ارتدى بنطالاً. أمامهم أكواب الشاي وفناجين القهوة. يتوسطهم رجل بدين جداً، يكاد صدره يخرج من قميصه، وفخذاه من رجلي بنطاله. من أمامه (أرجيلة) صفراء لامعة، يقرقر ماؤها كلما جذب نفساً منها. أشار أبو صبحي الهندي إلى حيث هؤلاء، وكأنه يلقي إلى خالتي بنبأ عن اكتشاف عظيم :
…- انظري يا نعمة.. ذاك الرجل البدين هو يوسف بامية.. !
…قالت خالتي مندهشة :
…- ما شاء الله.. قدّ أربعة. وهو صاحب هذه السيارات كلها ..؟
…- صلي على النبي يا شيخة (آه كلها) كراج بامية هذا باصاته شغَّالة كل الوقت، على خط يافا غزة والقرى على الطريق، يبنا واسدود والمجدل.. وله خط على بئر السبع أيضاً.. سبحان العاطي ..!
…أنا و فوزي كالمشدوهين نرقب ما حولنا بانبهار. المدينة بكل ضجيجها وزحمتها. غاب عنا (ابو صبحي) بعض الوقت. ثم عاد يحمل عدداً من القراطيس. أعطى كلاً منا كعكة بالسمسم، وورقة تحوي القليل من الزعتر والفلفل الأسمر. رجل ينادي بصوت جهوري :
- الرملة.. القدس يا شباب ..
…هبَّ ابو صبحي واقفاً (هيا بنا يا أولاد.. يا نعمة ..)
…انطلقت السيارة مغادرة (كراج بامية) متجهة شرقاً، عبر الشوارع ذاتها التي جئنا منها عند قدومنا قبل قليل.. الأبنية العالية ذات الشرفات المزخرفة تطل على الطريق.. المآذن عن كثب تشرئب إلى السماء. حدائق سبيل أبو نبوت الواسعة الخضراء حافلة بالأزهار والأشجار.. على امتداد أرصفة الشارع، على الجانبين صفوف من الأشجار، كما تبدت من خلال فرجات بين المباني.. الشوارع نظيفة لامعة.. السيارات ذات الألوان والأحجام المختلفة، تنطلق في كل اتجاه. رجال من البوليس عند مفارق الطرق، بملابسهم وحركاتهم المهيبة، يوجهون السيارات العابرة ويرقبون المارة.