…تمتد الأبصار مستطلعة في فضول، واستنكار أيضاً. يتساءل بعضهم من أين جاء هؤلاء. بل هم قد أنشأوا البيوت والحدائق والطرقات كما لو كانوا سوف يقيمون إلى الأبد في هذه الديار، التي ليست لهم.. والانكليز الذين أعانوهم ومهدوا لهم السبل لأنشاء هذه المستعمرات، هل سيبقون هنا إلى ما شاء الله ..؟ سيأتي يوم يرحل هؤلاء وهؤلاء.. (إن شاء الله..الله يسمع منك.. هذا ما سيحدث في المستقبل بالتأكيد ومهما طال الوقت) .
…يخلص أبو دياب بالحافلة إلى مكان متسع من الأرض الفضاء.. مستديرة كبيرة تتوسطها حديقة من الزهور الجميلة الملونة وسط أرض خضراء. هذا دوار بيت دجن. يدِّور أبو دياب مقود السيارة بكل قوته، وهو بالكاد يظهر من ورائه، ليتجه غرباً.. إلى يافا. ثم يستأنف الشرح دون أن يطلب إليه أحد ذلك، متعمداً رفع صوته، ليتناقله من خلفه إلى من هم وراءهم تطوعاً أيضاً :
…هذه مزرعة (نيتر) اليهودية. يسمونها (مدرسة زراعية) مثل خضوري في طولكرم، ولكنها ليست إلا وكراً، لا يعرف أحد شيئاً عما في داخله على نحو مؤكد. يقولون أن بداخلها معملاً للسلاح.. وبمعرفة الانكليز أيضاً. تلك قرية عربية. مئذنة تلوح من بعيد. بيارات برتقال ثم بيوت وحوانيت على جانبي الطريق، يجلس أمامها رجال و نساء عرب.. هذه قرية يازور.. وذاك معمل ثلج (الهبّاب). شلالات من الماء تتدفق على صرح عالٍ من الأنابيب المطلية باللون الأحمر.. وهذه مطحنة (عطا الله عطا الله). تتباطأ الحافلة. تئن فيما هي تتمايل على الجانبين، ورائحة البنزين تعبق في أنوفنا. هذا (سبيل أبو نبوت)..(البصة).. نحن الآن عند مدخل يافا. الشوارع مكتظة بالسيارات، بعضها يحمل بشراً، وبعض يتمايل بحمولته من البضائع.. نداءات الباعة في كل مكان. الدكاكين وأمامها معروضاتها المتنوعة الملونة.. روائح الأطعمة.. البسطات الحافلة بأشياء كثيرة لا حصر لها، لا نستطيع أن نتبين ماهيتها تماماً، إذ نمر بها دون ريث. خلق كثير، يتحركون كخلية النمل في كل اتجاه .
….. وصلنا يا شباب حمد الله على السلامة ..
….. يعطيك العافية يا ابو دياب ..
….. الله يعافيكم ويسلمكم.. العصر العودة إلى يبنا يا شباب.. لا تتأخروا..