…الطريق الضيق المتعرج تحف به البيارات المسيجة بأشجار الغيلان ذات النَّوار الأصفر، تضرب أغصانها السامقة سقف الباص وجانبيه. أصوات الموتورات التي تسقي البيارات. إيقاع صفيرها يمضي مع تدفق الماء في البرك، مرسلاً موسيقى مختلفة النغمات. السائق (ابو دياب النمروطي) لا يني يلقي نكاتاً يضحك لها القريبون منه طوال الوقت. كان في شكله الكثير مما يثير ضحكهم، فهو نحيل قصير القامة، يبدو في ملابسه الفضفاضة كأنه يسبح فيها حين يتحرك. طربوشه الأكبر بكثير من حجم رأسه، حالت أذناه وحدهما دون انزلاقه إلى اسفل، ليغطي سائر وجهه. صمت أبو دياب فجأة. اشرأبت الأعناق. تطلعت الأعين في فضول من خلال النوافذ إلى حيث راح ينظر أبو دياب، الذي نطق بكلمات مقتضبة، عاد بعدها إلى صمت ينبئ عن غمٍّ دفين :
…هذه مستعمرة رخبوت.. وهؤلاء هم اليهود ..
…شخصت العيون لترقبهم يمشون على رصيفي الشارع العريض. بعضهم يقف أمام الحوانيت ذات الألوان والكتابات والرسوم الغريبة على واجهاتها. خواجات، و(برانيط) منفرة. نساء حاسرات غير محتشمات، بملابس تبدي من أجسادهن الأذرع والصدور والسيقان. الناس غير ناس.. ليسوا كأهل يبنا. الحوانيت أيضاً ليست كمثل حوانيتها. أصوات الراديو والحاكي تلغط او تغني بلغة غير مفهومة. المباني ذات طوابق عديدة تحيط بها الحدائق ذات النوافير، تنثر الماء رذاذاً في كل اتجاه. سطوح المباني من القرميد الرمادي والأحمر. علق بعض من في الحافلة باستنكار :
…(يا أخي صدق من قال يهود. لا دين ولا ما يحزنون. قالت خالتي : الله لا يبارك لهم ..!)
…أسرع أبو دياب، كأنما يريد الخلاص من رؤيتهم. الطريق تحف به أشجار باسقة فتشكل ما يشبه النفق حين تتلاقي قمم أغصانها العالية. سيارات ودراجات.. مباني متباعدة متفرقة لا تلبث أن تكتظ وتتكاثف.. أناس في الطرقات لا يختلفون عن سمت من سبقت رؤيتهم في رخبوت. صوت أبو دياب، مرة أخرى وكأنه ينبئ عن كارثة :
….. هذه عيون قارة يا شباب.. مستعمرة ريشون ليتزيون كما يسمونها هم .