…صفت السماء. وتلألأت النجوم على صفحتها. نسمات عليلة تنساب رقيقة حانية. الصوت القادم من مقهى القاضي يتردد واضحاً، أكثر قرباً من ذي قبل. إذاعة لندن حيناً.. ألمانيا حيناً. صوت يهدر مبشراً بهزيمة الانكليز وحلفائهم، وبالنصر المؤكد والمؤزر لدول المحور، ألمانيا هتلر وإيطاليا موسوليني. ما من أحد يجهل صاحب ذلك الصوت. باتوا يعرفونه جيداً ويترقبون سماعه في الأمسيات. على الرغم من تحذير السلطات. إنه يونس البحري. الذي يباشر إذاعته بعبارته المشهورة التي أصبحت شعاراً (حيِّ العرب). نعم هم الألمان يحيون العرب ..فمتى يأتي أولئك لكي يريحونا من هؤلاء الأوغاد ..؟ لا يلبث أن يتناهى إلينا صوت الشيخ محمد رفعت يتلو سورة مريم، التي تثير في نفس والدتي دفقات من الشجن. تطلب إلينا الصمت إكباراً وإجلالاً.. أبوكم يا أولاد كان يقول :(وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون). يعقب ذلك الغناء : هليت يا ربيع هل هلالك.. متعت الدنيا بجمالك. أنساك وافتكرك تاني. ثم اسمهان بصوتها الرخيم المثير للشجن :
عليك صلاة الله و سلامه.. شفاعة يا جد الحسنين..
ده محملك رجعت أيامه ..هنية وتمنته العين ..
…أمي خاشعة، توشك أن تطفر الدموع من عينيها، ومسحة الحزن المألوفة تغشى وجهها الشاحب قليلاً. تردد همساً وهي تنظر إلى البعيد :
…اوعدنا يا رب ...
- 30 -
…خالتي وزوجها تمكَّنا - بعد أن بذلا جهداً لاينكر - من إقناع أمي بالسماح لي بمرافقة ثلاثتهم في رحلتهم إلى الخليل. ربما كان ذلك من أجل أن يكون لفوزي - ابن الخالة - رفيق في هذه الرحلة .
…انطلق (الباص) مبكراً في طريقه إلى يافا. امتلأت المقاعد. كان المقعد الأخير نصيبنا. خالتي نعمة وزوجها (عبد الكريم الهندي) وأنا وفوزي ابن خالتي إياه.