تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…تواصل سقوط المطر بغزارة لم تعهد من قبل، حتى أيقن الناس أنه لن يكف أبداً، وأن طوفاناً سوف يحدث كطوفان (سيدنا نوح عليه السلام) بعد أن "عم الفساد في الأرض، (فاقتربت الساعة وانشق القمر).. فقد نطق الحديد.. و ولدت الأمة ربتَّها.. والنساء أصبحن يخرجن كاسيات عاريات في بعض البلاد كالبولونيات واليهوديات ..!!" يرددون هذا نقلاً عن الشيخ علي العطار وآخرين، مما قرأه هؤلاء في (الجفر) وفي غيره من كتب التراث ...!

…غداة عودتنا إلى المدرسة، بعد أن صفت السماء وأشرقت الشمس، كانت في انتظارنا مفاجأة محزنة، هزتنا جميعاً، إذ علمنا أن الأستاذ شاكر سوف ينقل من مدرستنا، في غضون أيام قليلة. يبدو أن وشايات في حقه بلغت سلطات الانتداب، تماماً كما حدث مع مديرنا السابق الأستاذ عبد الخالق. المهم أنهم سيذهبون.. أجل، مي وأسرتها سوف يذهبون ..! فلقد عوَّدتنا الأيام على أن الأنباء السيئة تتحقق دائماً .

…وسريعاً جاء ذلك اليوم البائس، الذي خلف في قلبي ركاماً من الأسى. وقف الأستاذ شاكر على تلك العتبة إياها. يلقي فينا كلمة وداع، ونستمع إليه خاشعين. أكد لنا أننا "سوف نظل ابناءه البررة، على الدوام. وأنه لن ينسى الأيام التي قضاها في بلدتنا، مدى الحياة ..".

أحزنني وجهه المتجهم الحزين، يطفح حمرة تحت الحطة البيضاء والعقال الأسود، والبدلة الرمادية وربطة العنق الزرقاء، مما أضفى عليه مزيداً من الهيبة والوقار. وقفت مي قريباً من العتبة، بدت حزينة هي الأخرى، فأفرحني ذلك لحظة، إذ هي حزينة من أجلنا.. من أجلي تحديداً.. ربما..! كانت تحدِّق في الأرض عند قدميها كأنما تبحث عن شيء فقدته، تعبث حيناً بأزرار معطفها الأخضر، وحيناً بخصلة من شعرها الذهبي انسدلت على صدرها. أحاسيس غريبة غمرتني، فدفعت إلى مآقيَّ بالدموع. انطلقت أنشج باكياً، حين تعالى النشيج من حولي.. مي الأثيرة، المالئة دنيانا مرحاً.. تمضي فلا نراها بعد اليوم..؟

روايات · الصفحة ٤٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٨٨