…أمطرت السماء، عصر ذلك اليوم، بعد أن تلبدت بغيوم كثيفة قاتمة، تحولت إلى سوداء فاحمة، بعد الغروب. فيما عصفت الرياح فتقصفت أغصان الأشجار تحت وطأتها. وميض البرق يخطف البصر، يتبعه قصف الرعد هادراً مخيفاً. أنكمشنا حول الموقد نلتمس الدفء في جمراته المتوهجة. حتى سعيد عاد مبكراً هذا المساء، وقد أفرحنا قرطاس العوامه الذي جلبه معه. بدا الخوف على أحمد وعلياء. كذلك ساورني ذلك الخوف أيضاً، إذ فكرت في الزلازل، و(سقوط الرعد)، الذي يتحدثون عنه، والذي هدم بيتاً في العام الماضي، وقتل بقرة وأربع نعاج. أكثر ما أخشاه الآن هو أن تبعث بي أمي إلى إحدى الجارات لاستعارة شيء ما. كيف أقطع باحة الدار المسكونة بالأشباح، وسط هذا الجو المرعب؟ أو أن تطلب إلي جلب حطب من الحاكورة حيث (البئر الكفري)، الذي طالما نسجت حوله القصص والروايات، فهو تارة يحوي كنزاً مرصوداً، تخرج منه دجاجة حولها عدد من الصيصان المصنوعة من الذهب، ترسل أصواتاً مرعبة، فضلاً عن أنها تتحرك، أو هو مقام واحد من أولياء الله. عزز هذه الأقاويل ما رددته والدتي نفسها، إذ قالت لجاراتها ذات مساء أنها، ووالدي سمعا ذات ليلة حركة تصدر من ناحية البئر، متجهة إلى باحة الدار، ولما صاح والدي متسائلاً: من هناك؟ أجابه صوت ضخم، كأنه صوت أربعة رجال ينطقون معاً:
….. أنا يا شيخ سليم ..!
….. ومن أنت ..؟
….. أنا ولي من، أولياء الله. سوف أتوضأ لصلاة الفجر، من هذه الجرة. جزاكم الله خيراً، وبارك لكم في جرَّتكم وفي نسلكم ..!
…وعندما صمت والدي رهبة مما سمع، عاد الصوت ثانية ليقول، فيما صوت الماء يندلق من فوهة جرة الفخار العتيقة :
….. قم صلِّ الفجر يا رجل، فالصلاة خير من النوم ..!
…أكدت والدتي ذلك "والله سمعته بأذني يا خضرة كما أسمعك الآن. وسمعت صوت الماء المتدفق أثناء وضوئه..". أخذت أدعو الله في سري، ألا يلهمها ما يدعوها إلى أن تطلب إلي مغادرة الغرفة بعد أن سمعت ما سمعت .