تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…خيط واهٍ من أمل باهت يلوح كالسراب تعلقت به نفسي، حين أكد الأستاذ شاكر، من جديد، بأنه "لن يألو جهداً للعمل على زيارتنا، كلما أتاحت له الظروف ذلك في المستقبل .." أو أنهم قد يعيدون النظر في قرارهم الظالم .. في اللحظة الأخيرة ". أتساءل :.. أصحيح هذا يا سيدي..؟ أم أنك تقوله كي تخفف عنا وعنك وطأة الفراق..؟ لماذا يفترق الناس؟ لماذا هم مجبرون على أن يفعلوا ذلك؟ نفقد الأعزاء دوماً.. بالسفر.. بالموت.. من نحب هم الذين يرحلون ...

…المدرسة كئيبة بعد غيابها. الأستاذ عبد الفتاح - المدير الجديد - يختلف تماماً عن سلفه. قلما تسمع له صوتاً. يبدو متزناً وحريصاً على مظهره وهندامه. لكأن كل شيء لديه محسوب بدقة. حتى مشيته وكلامه. لم يكن هناك ما يدعونا لكرهه. لكننا مع ذلك، وبالاجماع، لم نرتح إليه، لا لشيء إلا لأنه حلَّ مكان الأستاذ شاكر.. وبالتالي ذهبت مي ..!

…كان جلُّ اهتمامه منصباً على الزراعة، إذ هو - كما علمنا بعدئذ - خريج مدرسة خضوري الزراعية في طولكرم. لهذا أصبح درس (الزراعة عملي) الآن درساً حقيقياً. عكف على تدريبنا كيف نزرع الملفوف والبطاطا و البصل. ولم ينس الورد الجوري والصقصلي وتم السمكة. كما أولى اهتماماً خاصاً بخلايا النحل التي كانت هناك. وكنت أحظى بلسعة أو أكثر منها - شأن بقية الزملاء - كلما خرجنا إلى موقعها. خاصة في ذلك اليوم الذي تم فيه جني العسل. عندها يردد الأستاذ عبد الفتاح قوله "لا يسلم الشهد من ابر النحل ..!".

خرج إلينا يومئذ، من الغرفة الخاصة بأدوات الزراعة، وقد ارتدى ملابس غريبة، منتفخة، وكفوفاً بيضاء في يديه. وعلى رأسه وحول وجهه صندوق له واجهة من الشبك، وفي إحدى يديه جهاز ينفث دخاناً يغمر صناديق النحل. وفي نهاية العملية سألنا عما إذاكنا نرغب في شراء شيء من العسل، على أن نحضر ثمنه في اليوم التالي. وحين أخذت العسل إلى البيت، نظرت إليَّ والدتي حانقة، وأخذت تردد فيما هي تروح وتجيئ :

….. من أين أوفر لكم ثمن العسل يا سيد أمين ..؟

….. لم يبق علينا إلا العسل ما شاء الله.. ادعو ربكم أن يديم عليكم البصل أولاً ..!

روايات · الصفحة ٤٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٨٩