تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…ولما كان الشيخ محمد حزيناً لسبب آخر، لم يتحمس كثيراً لما نقل إليه الأستاذ شاكر. وحين سأله الأخير عن أسباب فتوره، غير المعهود، في مثل هذا الموقف. حدثه عن بيارته التي لم يضمِّنها في هذا الموسم لآل الجمل، أو لغيرهم من (الضَّمانة)، الذين يفدون من يافا في هذا الوقت من كل عام. تصدير البرتقال توقف بسبب المدمرات والغواصات الألمانية التي تجوب البحار، فتسد السبل على حركة السفن التجارية ايضاً.

…- ولكن هذا ليس حالك وحدك يا شيخ محمد.. الدنيا حرب.. حرب يا شيخ محمد ..

…- هذا أدهى وأمر يا أستاذ شاكر. لو كان الأمر متعلقاً بي وحدي لما أكترثت كثيراً، ولكنه بلاء عام. كما ترى، تقع علينا نحن تبعات ما يصنع الأوروبيون هؤلاء. فهذه الحرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل.. لم نصنعها نحن.. لكنها تخنقنا خنقاً وكأننا نحن مضرموها .

…- الانكليز.. الانكليز يا شيخ محمد.. هم أسباب فساد هذا الكون. حتى الزلازل حين تقع لا بد وأن يكون لهم يد فيها ..!

…وحين يهز الشيخ محمد رأسه موافقاً، يبادره الأستاذ شاكر :

…- ادع معي.. ابتهل إلى الله العلي القدير أن يورثهم هزيمة منكرة لا تقوم لهم بعدها قائمة. أنتم المشايخ دعاكم مستجاب ..!

…يهتف الشيخ محمد، وهو يرفع كفيه نحو السماء ضارعاً :

…- اللهم خذ بنواصيهم فإنهم لا يعجزونك ..

…بسط الأستاذ شاكر كلتا يديه إلى السماء :

…- اللهم آمين.. يا مجيب الدعوات.. الله يسمع منك يا شيخ محمد .

…ثم اقترب منه ضاحكاً، يضرب على كتفه، قائلاً بصوت أقل ارتفاعاً :

…- لكني أشك في أن يستجيب الله لدعواتك يا شيخ محمد ..!

…كتم هذا ضحكة أوشكت أن تفلت من حنجرته. ثم هرولا معاً نحو غرفة المعلمين .

- 28 -

…عدوت الى الشارع مستطلعاً. أصوات صاخبة.. وصيحات تتردد مرعدة، معلنة سخطها وغضبها. كانت هناك (مظاهرة). وجدت نفسي بين صفوف المتظاهرين، دون أن أعرف كنه مايجري. علمت أنَّ الغضب عمَّ سائر أرجاء فلسطين. تظاهر الناس، وندَّدوا بالانكليز ذلك حين نقلت إليهم الأنباء أن هؤلاء الانكليز يحاصرون قصر الملك فاروق بالدبابات. سمعوا الراديو، وقرأوا في الجرائد بأن مندوبهم في مصر، ويدعى (اللورد كيلرن) خيَّر الملك بين القبول بوزارة يريدها الانكليز وبين التنازل عن العرش.. !

…أ إلى هذا الحد تبلغ بهم الصفاقة أيها الناس.. ؟

روايات · الصفحة ٤٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٨٥