تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…لم تمض سوى أيام قليلة حتى تبينا أن جو المدرسة، أيضاً، لم يعد كما كان فيما مضى. لم ندرك تماماً ما الذي تغير.. لكن شيئاً ما قد تغير بالتأكيد.. نفتقد حماسة الأستاذ شفيق، ومرح الأستاذ غنيمي، وسخرية الشيخ محمد. بل إن هذا الأخير ازداد وجهه عبوساً عن ذي قبل، حتى أن خطوطاً عمودية واضحة بدت ما بين حاجبيه، وأخرى أفقية على جبينه، مما عمق خشيتنا إياه، وحذرنا إزاءه. وإذ يحين موعد حصة الرياضة، التي اعتدنا انتظارها بفارغ الصبر، يطلب إلينا الأستاذ شفيق أن ننتشر في الباحة لنزاول اللعب كيفما نشاء، الأمر الذي أثار دهشتنا. وها نحن لا نذهب إلى (الحراز)، مما يعني أننا لن نشارك في مباريات لكرة القدم، هذا العام، مع أي من القرى المجاورة. كنا نفكر في هذا، ربما معاً. أفقنا أخيراً، على أن الرحلة المشؤمة التي فقدنا فيها رفيقنا كانت سبب ذلك كله .

…مي لا تساعدني على دروس الجبر والحساب هذا العام، الأمر الذي أصابني بالاحباط والأسى معاً، وزاد من كآبة أجواء عامي الدراسي هذا. لكنني لم أقطع الأمل في أن يستأنف الأستاذ شاكر تكليفي بخدمات أؤديها لهم، كما كان عليه الحال في الماضي. بيد أن مي لم تلبث أن عادت سيرتها الأولى.. إلى شقاوتها المألوفة، وإن يكن بحذر. كانت كالانكليز، تستمرئ خصومات التلاميذ من أجلها. كذلك الأستاذ شاكر، عادت أنباء الحرب المتصاعدة لتحتل مكانها في أحاديثه من جديد. كان سعيداً لتقدم الألمان في روسيا، لكنه كان حانقاً على أمريكا لدخولها الحرب إلى جانب "الانكليز الشياطين ". دفع باب غرفة صفنا صبيحة ذلك اليوم الشديد البرودة، حتى حسبنا أن الريح العاصفة هي التي قصفته، لكنه كان الأستاذ شاكر يهتف بأعلى صوته :

…- تعال يا شيخ محمد.. تعال..

…هبَّ الشيخ محمد واقفاً. اتجه نحوه حتى بلغ الباب، فوقفا كليهما عند العتبة:

…- هل سمعت يا شيخ محمد؟ هذه الأمريكا اللعينة تعلن الحرب على الألمان.. لكنها ستخسرها ورب الكعبة ..! نعم سوف تخسرين يا أمريكا هذه الحرب ..!

روايات · الصفحة ٤٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٨٤