…وقف المعلمون في مواجهة الصفوف المنتظمة، فيما اعتلى الأستاذ شاكر العتبة المرتفعة، مقدار درجتين، أمام غرفة الصف السابع الجديدة، تلمع شبابيكها الزرقاء، ورائحة الدهان ما زالت تنبعث من المبنى. باشارة من الأستاذ شفيق، الذي بدا مختلفاً تماماً عما عرفناه فيما مضى، صدحت الأصوات الرفيعة الحادة:
…دمت يا بلادي ما دام الزمن وطن المجد ومجداً للوطن
…ساد الصمت، فتحدث الأستاذ شاكر، موجهاً إلينا نصائح وإرشادات أبوية. شكر الأهالي على إسهامهم الجليل في إقامة هذا الصف، مما ينبئ عن رغبتهم الصادقة في تعليم أبنائهم .." لكي يكونوا ذخيرة المستقبل، وطليعة الأجيال القادمة، لا سيما بعد أن يجلو الانكليز عن هذه الديار المقدسة، وتستقل البلاد بمشيئة رب العباد ..."
… وقفت مي عن كثب. بدت وكأنها هي الأخرى كبرت أكثر مما ينبغي. حتى ملابسها بدت وقورة مهيبة، لاتلائمها. طال شعرها الذهبي أيضاً، وبدلاً من الضفيرتين المجدولتين انسدل إلى منتصف ظهرها، يموج مع كل حركة من رأسها، التي بدا كأنها تتعمد الاكثار منها، أو هي لا تتعمد، ما من أحد يعلم على وجه اليقين. لكنها كانت تضفي عليها مزيداً من السحر والرقة والنعومة.
…رائحة الورق الجديد حين وزعت علينا الكتب المقررة، والمحابر، والمساطر الخشبية، تتسلل إلى قلوبنا بالبهجة.. الصور الملونة.. الرسوم.. خرائط الأطلس ..
…كيف قضيت العطلة ..؟ ماذا تتمنى في عامك الجديد ..؟ ماذا تنوي أن تكون في المستقبل ..؟
…تلك هي الأسئلة التي ما أنفك الأستاذ شفيق يوجهها إلينا في درس الانشاء. وقد اخترت في إجابتي أن أكون شرطياً ..! أما اسماعيل العطار، فقد تمنى أن يفتتح له مكتباً في مدينة يافا، لتصدير البرتقال إلى كافة أرجاء العالم..! مثل رشيد الجمل والحاج عبد المجيد أبو لبن ..!