تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…نتفيأ ظلال الأثل حين يلم بنا التعب. وإذا كان الوقت ظهراً تجمع عدد منا حول (صرر) الطعام التي زودتنا بها أمهاتنا. نغامر أحياناً بفتح علبة سردين أو (بولوبيف). تعبر من أمامنا أسراب من البولونيات، يتضاحكن ،(ويرطنَّ) بما لا نفقه. سيارة جيب مكشوفة، تقودها إحداهن، يتطاير شعرها حول وجهها وجيدها مثيراً. نمعن النظر إلى الأكشاك الخشبية، ذات الألوان الزاهية، متناثرة على رقعة السهل، ومدى البصر، فوق السفح المقابل، تتخللها حدائق بدا عليها أنها أنشئت حديثاً، فأشجار الورد لم تزهر بعد، والعشب بدا قصيراً، وإن كان شديد الاخضرار. والنوافير التي وزعت في أنساق هندسية، ترش الماء في دوائر يصلنا رذاذها مع الأنسام القادمة من الغرب.

…نؤوب في المساء. تعترينا سعادة بالغة، حينما تلوح لنا مباني القرية، ومئذنتها على سفحها الجنوبي. لا تقل عنها، بل تفوقها فرحة أمنا بعودتنا، وفرحة أحمد وعلياء بالمعلبات الملونة الصقيلة، والأشياء الجميلة التي جلبنا معنا. لكنها، مع ذلك، لم تكن تحب لنا هذا العمل، فهي دوماً تخشى علينا شيئاً.

….. سيارات الانكليز يا أولاد.. يمكن يدهسوكم عن قصد ..!

….. اليهود يا أولاد.. ديروا بالكم.. لا تأكلوا من أيديهم ..!

….. الثعابين والعقارب.. البولونية يمكن يكونوا يهود يمه ..

…وحين تشكو همومها أو تعرض مخاوفها على الحاجة أم سايحة، تحاول هذه أن تخفف عنها بشيء مما اعتادت قوله لها، في مثل هذه المناسبات :

…(.. طولي بالك يا أم سعيد.. إن الله مع الصابرين.. بكره بيكبروا. المثل بيقول : اصبري على عجينك بيختمر).

- 27 -

…عدنا، والشوق يخفق في جوانحنا. نتسابق في الباحة، يتطاير الرمل تحت أقدامنا. يعرض كل منا على الآخر ما أتى به من دفاتر وأقلام. ملابسنا متباينة في أشكالها وألوانها. ففي الأيام القليلة الأولى من بداية العام الدراسي، يغضُّون الطرف عن القميص الكاكي، والشورت الكحلي.

…يا لفرحتنا الغامرة. مي، وصف سابع، نحن تلاميذه النجباء ..! من بينهم اسماعيل العطار، وسليمان ابو سليمان، ومحمد النجار، ونعيم ابو جلاله، وفوزي ابن الخالة. لقد بدوا أكبر مما تفعله شهور الصيف وحدها. رنين الجرس أجمل من أي موسيقى للوهلة الأولى، لولا ما يثيره، بعد لحظة في نفسي.. تلك الذكرى إياها.. فيغص حلقي، وينقبض صدري، وتوشك أن تطفر من عينيّ الدموع.

روايات · الصفحة ٤٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٨٢